خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ

حين ينظر الإنسان إلى هذا الكون، لا يواجه فراغًا ممتدًا فحسب، بل يواجه عالمًا هائلًا من المجرات؛ لكل واحدةٍ منها حجمٌ واتساعٌ يعجز العقل عن تصوّره. ومن أقرب هذه المجرات إلى مجرتنا مجرة أندروميدا، وهي مجرة حلزونية ضخمة، يُقدَّر قطرها بما يزيد على مئتي ألف سنة ضوئية، أي إنها تفوق مجرتنا حجمًا.

وليست أندروميدا وحدها في هذا المشهد، بل توجد مجرات أخرى قريبة وضخمة، مثل مجرة المثلث  (Triangulum)، التي يبلغ قطرها نحو ستين ألف سنة ضوئية، وهي أصغر من أندروميدا، لكنها بناءٌ كونيٌ واسع.

أما مجرتنا، مجرة درب التبانة، التي تقع فيها الأرض، فإن قطرها يُقدَّر بنحو مئة ألف سنة ضوئية، وهي بذلك من المجرات الكبيرة التي تضم مئات المليارات من النجوم، وتنتشر مادتها في قرصٍ واسع تدور فيه النجوم حول المركز في مساراتٍ منتظمة.

وإذا قيل: مئة ألف سنة ضوئية، أو مئتا ألف سنة ضوئية، فإن هذا التعبير لا يُراد به زمنٌ يُعاش، بل مقدارٌ يُقاس به الامتداد؛ بين طرفين في الفضاء. فالإنسان هنا لا يصف مدةً، بل يعبّر عن بُعدٍ مكاني هائل لا يمكن إدراكه إلا بمثل هذه المقاييس.

والمسلم، وهو ينظر في هذا الكون الهائل، لا يراه مجرد بناءٍ ماديٍّ صامت، بل يؤمن أن الله تعالى قد خلق ملائكةً يقومون بأعمالٍ كثيرة، ينفّذون بها أمره، ويجري بهم تدبيره. فإذا كان هذا الكون—بما فيه من مجراتٍ ونجومٍ وكواكب وسُدُمٍ غازية — من خلق الله، فإننا نؤمن يقينًا أنه لا توجد مجرة، ولا نجم، ولا كوكب، إلا وتجري شؤونه بأمر الله، عبر نظامٍ من التدبير لا يحيط به علم البشر.

وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في غير موضع، فقال عن دور الملائكة في هذا الكون: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾، وقال عن الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.

وعلى هذا، فإن الكون ليس — في تصور المسلم — فراغٌ واسع تتحرك فيه الأجرام وحدها، بل هو ميدانُ تدبيرٍ دائم، تقوم فيه الملائكة بأعمالٍ لا يعلم عددها ولا حقيقتها إلا الله.

وهذه آية من كتاب الله تلمس هذا الكون بما فيه من اتساع؛ ودور الملائكة في تدبير أموره، يقول الله تعالى:

﴿مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)﴾-المعارج

﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ تجوب الملائكة أرجاء السماوات بما فيها من أجرام عظيمة، والله يخبرنا عن عروجٍ يقع في هذا الكون الواسع، دون تحديد موضعٍ بعينه، ليبقى المعنى مفتوحًا على سعة هذا الخلق، ودالًّا على عظمة من خلقه.

﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ هذه آيةٌ يُطلع الله تعالى بها عباده على سعة ملكه؛ مقدارٌ عظيمٌ يستوقف الذهن، ويشير إلى امتدادٍ هائلٍ في هذا الكون. فخمسون ألف سنة — بهذا التعبير — ليست مجرد عدد، بل تصويرٌ لعظمة المسافة التي يقع فيها هذا العروج، في خلقٍ لا يحيط الإنسان بأطرافه.

تحدثنا في مقال “ذي المعارج” عن أن المعارج انتقالٌ عبر مساراتٍ متدرجة، وتحدثنا في مقال “في يوم” عن أن التعبير بالزمن قد يُستعمل لبيان مقدار البعد بين نقطتين، لا لوصف الطريق الذي يقع فيه السير. وعلى هذا، فإن قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يمكن أن يُفهم على أنه بيانٌ لمقدار الامتداد الذي يقع فيه هذا العروج، بصرف النظر عن المسار.

وإذا نظرنا إلى ما يُعبِّر به الإنسان اليوم عن أبعاد الكون، وجدناه يستعمل وحدات الزمن نفسها لقياس المسافات، فيقول: آلاف السنين الضوئية، وعشرات الآلاف منها، ليصف بها الامتداد بين أطراف البنى الكونية الكبرى. فمثلًا، تُقدَّر المسافة بين مركز مجرة درب التبانة وأطرافها بنحو خمسين ألف سنة ضوئية تقريبًا. وليس بعيدًا عن هذا أن أبعاد كثير من المجرات في هذا الكون تُقاس بعشرات الآلاف من السنين الضوئية.

وهذا التقارب في طريقة التعبير — من حيث قياس الامتداد بوحدات الزمن، وورود مقادير تبلغ عشرات الآلاف من السنين — يلفت النظر، ويدعو إلى التأمل، دون أن يلزم منه حمل النص على هذا التقدير بعينه، بل يفتح بابًا للنظر في هذا الأسلوب الذي يجمع بين ما ورد في هذه الآية، وما يستعمله الإنسان اليوم في وصف أبعاد الكون.

ومما يزيد هذا المعنى وضوحًا، أن هذا المقدار — مسيرة خمسين ألف سنة — لا يُقاس على ما يألفه الإنسان من مقاييس السير في حياته، باستخدام دوابه أو آلاته، بل هو مقدارٌ يَرِد في سياق عروج الملائكة، وهي مخلوقات نورانية لا تُقاس حركتها بمقاييس البشر. ولذلك فإن هذا المقدار يخرج عن نطاق المقاييس الأرضية المعتادة في تقدير المسافات. ويُقرِّب ذلك إلى الذهن أن هذا التعبير يُقصد به بيان امتدادٍ عظيم في هذا الكون، يُعبَّر عنه بوحدة زمنية، كما هو الشأن في السنين الضوئية؛ لا على جهة التفسير المباشر، ولكن بوصفها مثالًا يُقرب المعنى إلى الأذهان.

﴿إِلَيْهِ﴾ هل يُشترط أن تصل الملائكة إلى ذات الله لكي تكون قد وصلت إليه؟ تخيّل ملكًا يحكم قارتي آسيا وأفريقيا، وعاصمته في أفريقيا، وسار له الجنود في آسيا من أقصاها إلى سيناء؛ أفيصحّ أن يقول: “ساروا هذه المسافة طاعةً لي” وإن لم يلتقوا به؟
ولله المثل الأعلى: كل ما في هذا الكون داخل سلطان الله، والوصول إلى حدٍّ من حدوده هو وصولٌ إليه، وعروج الملائكة في هذا الملك العظيم سعيًا لطاعته هو عروجٌ إليه.

لكن كيف نتعامل مع الأحاديث التي تنص على أن الخمسين ألف سنة هي الطول الزمني ليوم القيامة، كما في صحيح مسلم:
“ما مِن صاحبِ ذهبٍ ولا فضةٍ لا يُؤدِّي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأُحمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أُعيدت له، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله؛ إما إلى الجنة، وإما إلى النار…”

في البداية نقول: لا اجتهاد مع قول رسول الله ﷺ؛ فإذا أخبرنا أن الطول الزمني ليوم القيامة خمسون ألف سنة، فهو كذلك.

ولكن عند التأمل في معنى هذه الآية، وإظهار توافقها مع دلالات كونية، نجد أن الآية تحتمل معاني متعددة، دينية ودنيوية، وهذه من بركات كتاب الله تعالى.

﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ تُقدَّر في الدراسات الفلكية المسافة بين مركز مجرة درب التبانة وأطرافها بنحو خمسين ألف سنة ضوئية تقريبًا، وهو مقدارٌ يقع في نفس المجال العددي لما ذُكر في هذه الآية، فهل بينهما ربط؟ هذا بابٌ للتأمل، يستحضر به المؤمن أن ما يقرؤه في كتاب الله، وما يراه في آفاق الكون، كلاهما من عند خالقٍ واحد.

ويزداد التأمل عمقًا حين نعلم أن الآية الخامسة من سورة السجدة — التي تناولناها في مقال “ألف سنة مما تعدون” — توافقت عدديًا مع بُعدٍ آخر في هذه المجرة، مما يفتح باب التأمل في أن التعبيرين قد يشيران إلى مستوياتٍ مختلفة من الامتداد في هذا الخلق الواسع. وكأنَّ تشابه البناء اللغوي بين هاتين الآيتين يُوحي بأنهما يتحدثان عن عالمٍ واحد، تتعدد فيه مستويات الامتداد وتتنوع أبعاده، والله أعلم بمراده.

شكل يوضح بنية مجرة درب التبانة، حيث يبلغ قطرها حوالي 100,000 سنة ضوئية، متضمّنًا القرص النجمي والأذرع الحلزونية والهالة المجرية.
المصدر: NASA Goddard Space Flight Center / Scientific Visualization Studio.
الرابط: NASA SVS | Milky Way Anatomy

كتبه حسني خنفر
21 مارس 2026

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *