ذِي الْمَعَارِجِ

في مدينة الملاهي، يجلس الأطفال على كراسٍ مربوطة بذراعٍ يدور حول عمودٍ في الوسط. ومع دوران العمود، يدورون معه تلقائيًا ما داموا داخل اللعبة. وإذا أراد أحدهم الخروج، احتاج إلى توقيتٍ وطريقةٍ محسوبة، لأن خروجه أثناء الدوران ينقله إلى مسارٍ مختلف.
بهذه الصورة يمكن فهم الحركة في الفضاء.

خلق الله الأجرام السماوية، وأودع في كلٍّ منها القدرة على جذب ما حولها، وجعل الأجسام تدور في مداراتٍ حولها، فلا يكون الانتقال بينها إلا عبر طاقةٍ محسوبة وتدرّجٍ من مدارٍ إلى مدار. لذلك، لا يشبه السفر في الفضاء قيادة سيارة نحو نقطة بعيدة، بل هو انتقالٌ مداري يعتمد على تغيير السرعة والاتجاه بمقدارٍ محسوب.

ولهذا التغيير صورتان شائعتان: مسارٌ قوسي، أو لفّاتٌ لولبية نحو المركز. وهذا المسار أطول من الخط المستقيم، لأنك تتحرك أصلًا داخل نظامٍ دوراني، وما تفعله هو تعديل هذا الدوران، خصوصًا مع الدفع الضعيف حيث يحدث التغيير تدريجيًا عبر لفّاتٍ متعددة.

إذا فهمنا هذا، أمكننا النظر إلى قوله تعالى:

﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3)﴾-المعارج

جاء في لسان العرب أن العروج هو الصعود، والمعراج السُّلَّم أو الدرج الذي يُرتقى به، ومن هنا فـ«المعارج» مسالك ودرجات يُرتقى بها مرحلةً بعد مرحلة.

ومن هذا الباب استأنس بعضُ المعاصرين بمعنى آخر يجاور هذا الحقل الدلالي؛ فكما أن عَرِجَ الرجلُ يدلّ على مشيةٍ غير متساوية فيها ميلٌ في الهيئة، فإنهم يقرّبون صورةَ «العروج» بوصفه صعودًا لا يلزم أن يكون خطًّا واحدًا مستقيمًا، بل صعودًا يقع على مسارٍ ذي انعطافٍ وتدرّجٍ. وهذا ليس تعريفًا معجميًا جديدًا، بل تصويرٌ معاصرٌ لمعنى المعارج.

وهذا المعنى يضيء وجهًا من التوافق مع ما نعرفه عن الحركة في السماء؛ فهي لا تجري غالبًا على خطوط مستقيمة، بل تتحكم فيها الجاذبية فتظهر كمساراتٍ منحنية وانتقالاتٍ مدارية متدرجة، يتم فيها الانتقال عبر تغيّرٍ محسوب في السرعة والاتجاه، فيبدو الطريق مراحلَ متتابعة.  وبهذا يلتقي البيانُ القرآنيُّ مع الصورةِ الكونيةِ المعاصرةِ من غير تكلّف.

﴿مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ خلق الله المجرات والنجوم والكواكب، وجعل لكلٍّ منها مداراتٍ ونطاقَ تأثير، فلا يكون الانتقال بينها إلا عبر مراحل وتدرّج. وهذا السلطان الذي أودعه في أجرام السماء آيةٌ من آياته، يلفت بها النظر ويدعو إلى التفكّر، فتَمْتَلِئ القلوب تعظيمًا وإجلالًا له، وفي استحضار هذه العظمة تحذيرٌ لمن يسأل عن عذابه—استهزاءً أو إنكارًا.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *