يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ

في عام 1961، دعمت وكالةُ “مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي” (FBI) سلسلةَ قصصٍ مصورة موجهة لليافعين، وكان اسمها “الشيوعية الملحدة”. تحدثت هذه السلسلة عن قصة عائلة أمريكية سعيدة كانت تعيش في بيت جميل وبدخل جيد … في صبيحة أحد الأيام، استيقظت العائلة لتجد أن أمريكا قد سيطر عليها الشيوعيون وقاموا بتغيير اسم البلد إلى “الولايات السوفيتية المتحدة الأمريكية”. بعد ذلك بدأ الشيوعيون بتطبيق منهجهم في الحياة. جاؤوا إلى بيت هذه العائلة وأخذوا الأب عنوة للعمل بأسلوب السُخرة في مطحنة، ثم جاؤوا وأخذوا الأم للعمل في مصنع، وأما الأطفال فأخذتهم الولاية “الشيوعية” إلى مدارس داخلية، وهكذا تفرقت العائلة وانهارت السعادة، ثم بدأت قصص السلسلة تروي بعضًا من جوانب التعاسة في حياة الشعب الأمريكي تحت النظام الجديد.

كانت هذه القصة جزءا من حرب فكرية جبارة خاضتها القوتان العُظميان في أثناء الحرب الباردة. كان ميدان هذه الحرب كلَّ وسيلةٍ تستطيع مخاطبة وعي الإنسان مثل الجرائد والمجلات والأفلام والقصص والإذاعة والتلفزيون. في هذه الحرب، سعى كل طرف لإبراز إيجابيات منهجه والحطِّ من منهج الآخر. كان جوهر هذه الحرب تحقيق مبدأ بسيط ألا وهو أن “المنهج الصحيح هو المنهج الذي يُحقق الأفضل لحياة الإنسان”. هذا المعنى قرره القرآن الكريم على نحو أعمق وأبقى حينما يقول:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)﴾-البقرة

يتجلى النور وتسود الظلمات في حياة الأمم في جوانب كثيرة من عقيدة وفكر، واقتصاد وسياسة وأخلاق، فأن يُفرض على أمة باسم الحرية نظام اقتصادي يبيح لأصحاب رؤوس الأموال ممارسة كل أساليب الجشع من ربا واحتكار ومضاربات وخلق أزمات فهذه ظلمات، وأن يُفرض على المجتمع نظام اقتصادي يُسبب اختلافات طبقية وتضخماً مالياً فهذه ظلمات. وأن تحتكر الثروة في البلاد مجموعة معينة فهذه ظلمات، وأن تنتشر في المجتمع القيم المادية وما فيها من أنانية وخداع وكذب وفساد فهذه ظلمات، وأن يُهمل الفقراء في بلادهم بدون معيل أو عمل فهذه ظلمات.

ركزت هذه الآية على حقيقة حدوث تحولات في حياة الأمم من واقع إلى واقع عندما تتغير الجهة المرجعية التي تمنحها الأمة ولاءها وتقديسها، وتستمد منها هدايتها ومنهجها في الحياة، فقالت ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ و ﴿يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. إن لفت النظر إلى التحولات التي تحدث بسبب تغير الدين أو العقيدة أو فلسفة الحياة هو أكثر تأثيرا وإقناعا في حروب الوعي والفكر عند المقارنة بين منهجين من مناهج إدارة الحياة، وهكذا كان أسلوب سرد قصة العائلة الأمريكية في بداية المقال.

تتخبط المجتمعات البشرية في عصرنا الحاضر في ظلماتٍ اقتصادية واجتماعية وأخلاقية وسياسية، والإسلام قادر على إخراج الناس من هذه الظلمات، لكنها تحتاج إلى من يُريها هذا النور. عمل العلامة المسلم أبو حسن الندوي قبل سبعين عاما على إبراز معاني هذه الآية بكتابه “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” ولكن، وفي ضوء تطورات واقعنا المعاصر، هناك حاجة لإعادة تقديم هذه المعاني في أعمال جديدة من كتب أو فيديوهات أو صفحات إنترنت.