أنور خوجة هو زعيم دولة ألبانيا المسلمة من عام 1944 حتى 1985، وكواحد من نماذج الأنظمة الشمولية في ذلك العصر، أقام الحزب الشيوعي نموذجًا في الحكم قائمًا على السلطة المطلقة والقمع المنهجي.
ظهر عهده معارضة فكرية نقدت أسلوب إدارة البلاد وطريقة تحديد حقوق العباد وحدود السلطة للحاكم، إلا أن النظام تعامل معها بالقمع الذي شمل العائلات بأكملها؛ فمن يُشتبه فيه بالمعارضة الفكرية كان يُعتقل هو وأقاربه، ويُرسل إلى السجون ومعسكرات العمل القسري حيث يواجه هناك ظروفًا قاسية، من الحرمان والتعذيب الجسدي والنفسي.
خوجة حارب الدين بكل أشكاله، وألغى حرية العبادة، وأغلق المساجد والكنائس، وحوّل بعضها إلى متاحف أو مبانٍ مدنية. كل ممارسة دينية كانت تُعد معارضة للنظام، وقد تؤدي إلى السجن أو النفي.
أجهزة المخابرات، مثل “سيجوريمي”، كانت تراقب كل مواطن تقريبًا، وتحقق مع الجميع لنشر الخوف في المجتمع. وكان السفر أو الهجرة خارج البلاد يُعد خيانة للنظام، وكل محاولة مخالفة تُقابل بعقوبات صارمة تشمل السجن الطويل أو الإعدام.
عمق الظلم والاستبداد في عهد أنور خوجة خلق حالة رعب جماعية، لكن نظامه لم يكن شخصًا واحدًا، بل هو جنود وشرطة ومخابرات ووزراء ووقضاة وأعوان من مختلف الدرجات عاونوه، بل وألهوه، ونفذوا أوامره بالتعسف والإجرام في حق الناس.
عن هؤلاء يوجه الله تعالى هذه الآية فيقول:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166)﴾- البقرة
إن محبة الله بحد ذاتها لا تكفي كعلامة على إيمان الإنسان، فميزان إيمان الإنسان بالله هو أن يُحب المسلم الله أشد من أي شيء آخر، ومن كان هذا حاله فإنه يضع أمر الله تعالى له فوق أوامر كل ملوك الدنيا وأوثان الأرض.
يصف الله تعالى من اتخذ من صاحب قوة في الدنيا ندا مع الله ويُحبه كحب الله رغبة بما عنده بأنه من ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لأنه أعطى ما يستحق رب العباد من تأليه وعبادة لمن لا يستحق.
وهو من ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لأن الذي يجعل ندا مع الله فإنه يكون عونًا له في ظلمه وتجبره.
وهو من ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ لأنه ظلم نفسه بأن عرضها لغضب الله الجبار.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هم من استكبروا على الناس، فأمروهم باتباعهم في ظلمهم وطغيانهم، ومعصية الله ومحاربة دينه.
إن الظلم والفساد بكل أشكاله يستشري في الأمم والمجتمعات كلما اتخذ الناس مع الله أندادًا.
سيأتي يوم القيامة الذي سيُجمع فيه الناس، ويُحشرون بلا مناصب، ولا ألقاب، ولا تيجان، ولا أرصدة، ولا مخابرات، ولا جيوش. في ذلك اليوم سيقف الكل عاريا أمام جبار السماوات والأرض، ووقتئذ سيُمضي الله تعالى أمره بمن ظلم سواء كانت تابعا أو متبوعا بأن يُنزل عليه عذابه الشديد.
وأمام كل الناس، سيعلم ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً﴾ أن قوة هذه الأنداد كانت في حقيقتها مجرد وهم، وأنه لا توجد قوة في هذا الوجود غير قوة الله.
هذه الآية جمعت معاني القوة، والحب، والأنداد، والظلم. وخلفها تتراءى المصالح الشخصية والمنافع المادية.
جاءت الآية التالية ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ لتتكلم عن الأتباع والمتبوعين، وكأنها شارحة للآية التي قبلها، وتوضح لنا أن الآية التي هي موضوع مقال اليوم هي صورة مباشرة عن نتيجة التأليه في ظل أروقة أنظمة سياسية تقوم على تأليه أشخاص “من دون الله”، إيمانًا بقوتهم، وبالتالي محبتهم أشد من حب الله، وطاعتهم فيما يريدون، مما يؤدي إلى انبثاق هذه الأنظمة الظالمة والإجرامية التي تصل في نهايتها إلى تعذيب الناس وإيذائهم.
كان أنور خوجة معجبًا جدًا بشخصية الرئيس السوفييتي جوزيف ستالين، الطاغية العظيم، الذي كان يسيطر على حياة شعبه بقوة مطلقة، وكانت تُعد له قوائم بأسماء الأشخاص ليختار كل ليلة من يجب أن يُقتل في اليوم التالي، حتى قضى الملايين من خيرة أبناء شعبه قتلاً بلا حتى أدنى سبب.
وحينما مات ستالين وجاء خروتشوف وزمرة الحكام الجدد، راعهم جميعًا ما كان يفعله ستالين من تمادي في القتل. في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1956، أدان خروتشوف ما كان يحدث من “تأليه ستالين” وما نتج عنه من ظلم وإجرام، وكأنه كان يتكلم بلسان حال هذه الآية وهو لا يعلم.