أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً

كلما ازداد الإنسان قوة ازداد محبوه ومؤيدوه ومناصروه وازداد التفاف الناس حوله، وحينما يصل الإنسان إلى الملك والحكم والرئاسة في أعلى هرم المجتمع الذي يعيش فيه، تتركز بين يديه مقدرات المجتمع فيتعاظم تطلع الناس إلى إرضائه والتزلف له، طمعا في مكاسب القُرب منه، وقد لا يزال بعض من حوله يتودد له بتعظيم وتقديس حتى يتحول حبُّه إلى تبجيل وتأليه فيعبدونه ويتخذوه ندا لله تعالى.

﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)﴾- البقرة

إن ﴿الْقُوَّةَ﴾ فيها البطش بكل من عصى وتمرد، وفيها إخضاع من خالف وامتنع، وفيها القدرة على فعل الشيء وتحقيق المُراد. ومن القوة ينبثق بسط السلطان وإذعان الرقاب.

تقول هذه الآية أن هناك من الناس يحبون أشخاصا أو أشياء ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ثم تذكر الآية أن هؤلاء حينما يرون عذاب الآخرة فسيعلمون وقتها ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ وفي هذا إشارة واضحة إلى الصلة العميقة بين الحب والإيمان بأن لشخصٍ أو شيءٍ قوةً وقدرة.  

الإيمان بـ ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ هو من أعظم أسباب تمايز الناس إلى فريقين: فريقٍ ﴿يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ وفريقٍ آخر ﴿أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه﴾ … إن من يتخذ مع الله ندا يعلم في قرارة نفسه أن قوة من اتخذه ندا لله تعالى محدودة وزائلة مهما عظمت. نعم، قد تكون له جيوش جرارة وبين يديه أموال ومناصب ومنافع يُغدقها على بعض من يتبعه، لكنه لا يملك لنفسه أو لغيره شفاءً ولا حياةً ولا موتًا. وهو نفسه يمرض ويضعف ويهرم ثم يموت، وقد يُهزم أو يُؤسر … قد يحرق مدن وقرى فوق رؤوس أهلها ولكنه يقف حائرا عاجزا إذا مرض ولد من أولاده. إن أتباعه يحبونه بمقدار ما يرون له من قوة، وهم يعلمون في باطن نفوسهم أن قوته محدودة وزائلة، ولذلك لا يكون حبهم له حبًّا مطلقًا، بل قد يحبون الله كحبهم لمن جعلوهم أندادا له وذلك لأنهم يعرفون في خفاء قلوبهم أن لله من القوة ما ليس عند هؤلاء الضعفاء من الأنداد.

على الجانب الآخر، يؤمن المؤمن أن الله تعالى بيده كل أسباب القوة، وأن قوته ليست محدودة في جانب أو مكان أو زمان، بل هي قوة شاملة ومُطلقة، ولذلك يتعلق قلبه بالله ويحبه أكثر من كل شيءٍ.

قد يقف المرء في حياته فيجد نفسه بين عدة “قوى”، فيتجه إلى أشدها يطلب منها الأمن أو النفوذ أو تحقيق المُراد، ولنيل هذا، يُرضيها بما تطلب حتى لو كان فيه إغضاب لرب العباد، وهنا، يُذكر الله تعالى أمثال هؤلاء بأنهم سيعلمون — حينما يرون عذاب الله، ويرون عجزهم وعجز من جعلوهم أندادا لله — أنه لا توجد قوة إلا قوة الله تعالى، و ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾.