في مقال “سبع سماوات طباقًا”، ذكرنا أن هناك تركيبًا هيكليًا مُحكمًا للكون: الكواكب تتبع النجوم، والنجوم تتبع المجرات، والمجرات ترتبط مع بعضها عبر مجموعات مجرية أو عناقيد، والعناقيد والمجموعات المجرية تتجمع في عناقيد فائقة، وهذه العناقيد الفائقة تتصل بخيوط رفيعة من مادة تحتوي على غازات أكثف مما حولها في الفراغ الكوني.
توجد فراغات عملاقة تُشكل أغلب مساحة الكون، وحول هذه الفراغات تتجمع المادة في هياكل ثنائية الأبعاد تُشكل حدودها. هذه البنى يسميها علماء فيزياء البنية الكونية صفائح (Sheets)، أما النسخ الضخمة منها فتُسمى جدران (Walls).
مثال: الصفيحة المحلية التي تحتوي على مجموعتنا المحلية يبلغ قطرها نحو 34 مليون سنة ضوئية، بينما يبلغ عمقها حوالي 1.5 مليون سنة ضوئية.
الصفائح الكونية ليست هياكل ثابتة، بل ديناميكية وتتطور مع الزمن الكوني. يحدث انهيارها الطبيعي نتيجة الجاذبية الداخلية واختلاف توزع الكتلة داخلها، ويمتد على مدى مليارات السنين، وخلال هذا الانهيار تتحول من هياكل ثنائية الأبعاد (Sheets) إلى خيوط أحادية البعد (Filaments).
الانهيار العظيم هو إحدى النظريات التي تحلل توقف تسارع الكون وما قد يؤدي إليه من انهيار شامل. حسب هذه النظرية، تبدأ كل المادة في الكون – من مجرات وفراغات وصفائح – بالاقتراب من بعضها البعض بفعل الجاذبية الشاملة. أما بالنسبة للصفائح، فإنها تنهار في الوقت نفسه، وخلال انهيار كل منها ينكمش الطول والعرض بشكل هائل، وتتحول هذه الصفائح إلى مناطق كثيفة للغاية تُسمى الخيوط (Filaments).
تحول شيء ثنائي الأبعاد تقريبًا إلى بُعد واحد يُذكّرني بما نراه في الأفلام التي تصوّر العصور السابقة، حين كانت الرسائل السياسية تُكتب على جلود الحيوانات، فيفتحها الرسول ليقرأها أمام الحاكم أو الملك، ثم تُطوى لتتحول إلى شكل أسطواني أحادي البعد.
بشكل مشابه، يصف الله تعالى في القرآن ظاهرة الطي في السماء، فيقول:
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)﴾ – الأنبياء
الكتاب هو ما يُكتب عليه، سواء كان جلد حيوان أو ورقة، وليس بالضرورة أن يكون بمعنى عصرنا الحاضر.
يشير الله تعالى إلى السماء السابعة، التي تضم كل الأجرام والمجرات والعناقيد والفراغات والصفائح والجدران. تنهار هذه السماء بتحويل كل البنى الكونية ثنائية الأبعاد إلى بنى أحادية البعد، وهذا التحول هو مجرد خطوة نحو انهيار شامل يتحول فيه الكون برمته إلى كتلة صغيرة جدًا من المادة، كما يقول الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾.
﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ لم يقل الله “كطي السجل للكتاب” لأن السماء لا تحتوي على كتاب أو Sheet واحد، وإنما توجد بها عدد كبير من هذه البنى الكونية الثنائية الأبعاد.
يصف الله تعالى المادة والظواهر بما يناسبها أو يُشابهها. تكلم الله تعالى عن ظاهرة طي السماء في أكثر من موضع في كتابه العزيز، وحين نضجت علوم البشر، وتفرغت عدة أجيال من علمائهم لدراسة السماء، بدأوا يتحدثون عن ظاهرة أسموها الطي أو Folding. أشار الله تعالى إلى “بنى ثنائية الأبعاد”، فتحدث العلماء عن “الكتب” أو Sheets، ثم تحدثوا عن طيها، والآن اتفقت مجموعة من علماء الفيزياء الفلكية على فرضية علمية تتحول فيها هذه البنى الثنائية الأبعاد إلى بنى أحادية البعد عند توقف تسارع الكون والبدء في انهياره.
ما يحدث، من توافق بين آيات القرآن وصفحة هذا الوجود، هو كشف عن بعض من الغيب الذي تحدث به القرآن الكريم، وهذا يدعونا إلى أن نقف وقفة صدق مع أنفسنا حينما نسمع قول الله تعالى يتحدث عن الغيب الأعظم:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾
اترك تعليقاً