ينقسم المسلمون في مقدار علاقتهم بربهم، ويظهر هذا التفاوت بأوضح صوره حين يقف الإنسان أمام خيارات في حياته متعلقة بمصالحه وشهواته.
فتجد مسلما يعمل في متجر، لكنه يأخذ ما لا يحق له، فيأكل حراما ولا يراقب ربه، وفي المقابل تجد مسلما آخر يُعرض عليه خيانة الأمانة، ولو بمبالغ طائلة، ولكنه يستحضر عظمة ربه، فيتركها طاعة لله.
وقد يبلغ الأمر ببعضهم أن يشهد زورًا مقابل مالٍ قليلٍ زائل، بينما يقف آخر أمام القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فتأباها نفسه خوفًا من عذاب جهنم.
ومن النساء من تتقرب إلى الله بستر جسدها ونفسها كما أمرها ربها، في حين تكتفي أخرى بالمظهر، ثم تخضع بالقول وتتصرف بما يُغضب ربها.
وقد يبلغ التعلّق بالدنيا ببعضهم أن يستعبدهم المال، فيخونون دينهم وأمتهم، بينما يُعرض على آخرين ما هو أعظم من ذلك، فتأباه نفوسهم وتعفّ عنه.
ومنهم من يمتلئ قلبه خوفًا من ربه، فينعكس ذلك على سلوكه مع الناس: يصل رحمه، ويُحسن إلى جاره، ويتصدق على المساكين؛ بينما لا يظهر أثر العقيدة في حياة آخرين، فلا يتقون الله في معاملاتهم، فتجدهم من أسوأ الناس خُلقًا.
فبهذا يظهر أن العبرة ليست بمجرد الانتساب إلى الإسلام، بل بحقيقة التقوى التي تستقر في القلب وتظهر آثارها في العمل؛ ولذلك أعدّ الله مقامًا خاصًا لمن تحققت التقوى في قلبه وظهرت في عمله، قال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(57)﴾ – الدخان
التقوى ليست مجرد شعورٍ في القلب، بل عملٌ يظهر عند الاختبار؛ إذ يترك الإنسان الحرام مع قدرته عليه، لأنه يعلم أن الله يراه.
ومن أعظم ما تظهر فيه التقوى: الخلوات، حين يكون الإنسان في موضعٍ لا يراه فيه أحد، وتتهيأ له أسباب نيل الشهوة أو المصلحة، فحينئذٍ ينكشف مقدار خوفه من ربه.
وحين تغيب عيون الخلق ولا يبقى إلا نظر الله، يتمايز الناس:
فهذا تمتد يده إلى الحرام، وهذا يكفّها،
وهذا يستجيب لشهوته، وهذا يعفّ نفسه عنها.
وعند مواضع الشهوات والمصالح، لا شيء يكشف معدن الإنسان أصدق من أمانته:
أمانةٌ في حفظ أموال الناس، وأمانةٌ في صيانة أرواحهم، وأمانةٌ في حفظ أعراضهم.
فإذا غابت التقوى، اندفع الإنسان وراء شهواته ومصالحه، في مواضع يظن أنه لا يراه فيها أحد.
وترتبط المعاصي والجرائم في الذاكرة بالأماكن التي تقع فيها، حتى يغدو المكان شاهدًا عليها، وعنوانًا يُعرف بها.
فإذا وقعت جريمة قتل، قيل: جريمة الشارع الفلاني أو البناية الفلانية، وإذا حدثت خيانة، اقترنت بالمكان الذي وقعت فيه، فكان أولَ ما يتبادر إلى الذهن عند ذكرها.
ولذلك، ومن تمام عدل الله، أن يجازي المتقين بنقيض ذلك، فيُنزلهم مقامًا؛ والمقام موضع إقامةٍ واستقرار، ليس نُزُلًا عابرًا يزول، ووصفه بالأمين؛ فصاحبه مأمونٌ فيه، ومحفوظٌ فيه من كل سوء، لا يصل إليه خوفٌ ولا حزن، ولا يمسّه نقصٌ أو ألم.
فكما حفظ نفسه في مواطن الخيانة والمعصية، جعله الله في موطنٍ آمن، لا يصل إليه سوءٌ ولا يمسّه شر،
ولأنه كان أمينًا في خلواته، حيث لا يراه أحد، أدخله الله مقامًا أمينًا، جزاءً من جنس عمله.
في آية ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾،
تجتمع مشتقاتُ مُفردات التقوى والمكان والأمانة،
وفي اجتماعها دلالةٌ عميقة على ترابطٍ مقصودٍ بينها.