يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً

تذكر بعض المصادر الرومانية القديمة أحد الشعائر الدينية للشعوب السلتية الوثنية التي كانت تعيش في الجزر البريطانية قبل انتشار النصرانية بينها … كانت هذه الأقوام تعبد “الأرواح الطبيعية” وكانوا يعتقدون أنها قوى غيبية تؤثر في الكون، وكان من الممارسات المنسوبة إلى بعضهم أنهم إذا أرادوا الخصب والنماء فإنهم يصنعون دمية من الخوص طولها حوالي 8 أمتار ثم يحشرون في داخلها أناسا وحيوانات أحياء ليقوموا بعد ذلك بحرق هذه الدمية بما فيها .. وبينما يصطلي الأبرياء بنيران تتعالى فيها صرخات المعذبين، يرقص ويغني الآخرون حولهم احتفاء برضا الآلهة المزعومة عنهم … وهي صورة تعكس كيف لتصور منحرف عن الإله الذي بيده مقادير الأمور وطبيعة العلاقة به أن يقود الإنسان إلى أفعال إجرامية تُرتكب باسم الدين.

لم تكن هذه الصورة حكرًا على بيئة بعينها؛ فقد عرفت حضارات وثنية متعددة عبر التاريخ صورًا من القرابين البشرية، حيث كان بعض الناس يعتقدون أن تقديم النفس البشرية يُرضي الآلهة أو يدفع عنها غضبها. فقد اشتهرت بعض حضارات أمريكا الوسطى –كحضارة الأزتك– بطقوس تضحية بشرية، كما عُرفت لدى بعض الشعوب القديمة ممارسات مشابهة في سياقات دينية مختلفة. وحتى في العصر الحديث، ظهرت حالات فردية نُسبت إلى جماعات أو أشخاص تبنّوا تصورات شيطانية، حيث ارتُكبت فيها جرائم مروعة تحت غطاء ديني أو رمزي. ومع أن هذه الحالات محدودة ولا تمثل تيارًا واسعًا، فإنها تكشف كيف يمكن أن ينحرف الإنسان حين يمنح تصورات موهومة قداسةً تُبرر الاعتداء على الآخرين.

وفي العصر الحديث، تجدد الاهتمام بإحياء بعض الديانات الوثنية القديمة في سياقات ثقافية وفكرية متعددة. في عام 2010 اعترفت بريطانيا بالديانة الدرويدية وفي عام 2015 أعطت ترخيصا لبناء أول معبد وثني، بينما يعتبر دين الـ Wicca والذي أصله بريطاني أيضا من أكثر الديانات “الوثنية” انتشارا في العالم. تقول موسوعة “الموسوعة” بأنه الدين الخامس في الولايات المتحدة. تُعرف الموسوعة البريطانية مصطلح الـ neopaganism بأنها “حركات حديثة تُحاول إحياء الديانات الشركية القديمة في أوروبا والشرق الأوسط ويُحاول أتباع هذه الحركات إعادة إحياء الطقوس الأصلية لهذه الديانات بطريقة انتقائية”. طبقا للويكيبيديا، فإن مكتب الإحصاء الوطني في بريطانيا نشر في نتائج إحصاء عام 2001 بأن سبعة من كل ألف شخص يؤمنون بإحدى الديانات الوثنية “المعاصرة” وقد ارتفعت هذه النسبة في إحصاء عام 2011 لتصل إلى 14 لكل ألف شخص. أي أننا نتكلم عن حوالي 100 ألف شخص في بريطانيا. أما موقع  pewresearch.org المتخصص في تقديم الإحصائيات المختلفة فيقول بأن نسبة الوثنيين المعاصرين في أمريكا تصل إلى حوالي 0.4% ما يعني أكثر من مليون شخص في بلد تعداده حوالي 300 مليون إنسان.

لا تمارس الوثنية المعاصرة الإجرام والوحشية التي كانت عليها بعض البيئات الوثنية القديمة، وذلك لأنها تخضع لمنظومات قانونية تضبط السلوك العام، لكن يبقى السؤال: إذا كان الأساس الفكري واحدًا، فهل يكفي تغير البيئة وحده لضمان عدم تكرار النتائج؟ يقول الله تعالى في هذا:

﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)﴾- البقرة

هناك من ﴿يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً﴾ يعبدونها ابتغاء ما عندها وغالبا ما يقود هذا التصور إلى صور من الظلم، ولذا تصفهم الآية بأنهم من ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وأما السبب المباشر لممارستهم الظلم فهو سيطرة الأوهام عليهم ومن أعظم الأوهام التي تؤثر في سلوك الإنسان ظنهم أن لشيء أو لشخص قدرة أو قوة على فعل شيء -مثل الخصب والنماء والرزق والولد والنصر- بينما هو عاجز تماما عنه.

﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ يتوعد الله تعالى هؤلاء المتوهمين بأنه سيأتي اليوم الذي سيرون فيه عذابا شديدا فيتبين لهم حينها أنه لا قوة ولا قدرة إلا لله وحده.

﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يقول لسان العرب: “دون كلمة في معنى التحقير والتقريب”. فإذا قال قائل: هذا دونُ ذلك (بالرفع) فهذا معناه هذا أحقر من ذلك وأما إذا قيل “هذا دونَ ذلك” (بالنصب) فهذا معناه أن هذا أقرب من ذلك (مُقتبس من لسان العرب). وفي هذا المعنى إشارة إلى أن ما يُتخذ من دون الله لا يبلغ مقامه، بل هو دونه قدرًا وقيمةً.

﴿يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً﴾ في دين الإسلام، قدم الله جل جلاله للبشر شعائر تجلب الطمأنينة والسكينة وشرائع تجلب العدل والاستقرار وأنزل في كتابه مكارم ومحاسن أخلاق، وقد قدس حق الإنسان وجعل حفظ النفس من أعظم المقاصد وسمى نفسه بالرحمن الرحيم. ومع ذلك، يترك بعض الناس هذا الإله الواحد الأحد، ويتجهون إلى أنصاب حجرية أو تصورات غيبية محدودة لا تقدم لهم نظامًا أخلاقيًا متماسكًا ولا تصورًا واضحًا للحياة ولا بينات مادية ولا شرائع سوية ولا حتى دينا واضح المعالم. وفي هذا يرفعون مخلوقات أو تصورات محدودة إلى منزلة لا تليق إلا بالله جل جلاله.

وتصف الموسوعة البريطانية الوثنيين المعاصرين بأنهم “ينتقون شعائر تعبدية من ديانات أسلافهم”، وهذه الانتقائية تعكس غياب مرجعية ثابتة يُرجع إليها، إذ تُترك الشعائر لاختيار الإنسان يأخذ منها ما يشاء ويترك ما يشاء، وهو ما يكشف عن هشاشة الأساس الفكري الذي تقوم عليه هذه التصورات، ومع ذلك، يصر بعض المعاصرين على اتباع خطى أسلافهم.

﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وحين يُعرض الإنسان عن وحي السماء المدعوم بالبينات، لا يبقى أمامه إلا أن يصنع لنفسه آلهةً من تصوره، ثم يُخضع لها عقله وسلوكه، وهذا يقوده غالبًا إلى الظلم، كما تشير الآية، لأن سلوكه حين يقوم على الوهم يدفعه إلى السعي وراء ما يظنه مصلحة، ولو كان في حقيقته فسادًا أو إجرامًا.

وبين إلهٍ يُعبد بحق، وأوهامٍ تُتَّخذ من دونه، يتحدد مصير الإنسان: إما هدايةٌ تُقيم حياته على الحق، أو ضلالٌ يُزيَّن له حتى يراه دينًا يُتقرب به.