يُعَدّ كارل ماركس أحد أكثر المفكرين تأثيرًا في التاريخ الحديث، إذ لم تكن أفكاره مجرد تنظير فلسفي معزول، بل تحولت إلى مشروعٍ فكريٍّ شامل أعاد تشكيل حياة أممٍ بأكملها. وقد عرض هذه الأفكار في مؤلفاته الشهيرة، وعلى رأسها البيان الشيوعي ورأس المال، حيث قدّم تصورًا يقوم على الصراع الطبقي، وانهيار الرأسمالية، وبناء مجتمعٍ شيوعيٍّ لا طبقي.
وقد جاءت هذه الأفكار في سياقٍ تاريخيٍّ مضطرب، كانت فيه مجتمعاتٌ واسعة تعاني من صورٍ حادّة من الظلم الاجتماعي والسياسي. ففي روسيا مثلًا، كان النظام القيصري يفرض سطوته على الحياة العامة، وهو نظامٌ يجعل من مجتمعٍ مليونيٍّ على رقعةٍ جغرافيةٍ شاسعة شبهَ مسخّرٍ لخدمة القيصر وعائلته، ومن يدور في فلكهم من المنتفعين. وفي مثل هذا المناخ، تصبح الدعواتُ إلى العدالة والمساواة شديدة الجاذبية، وتجد طريقها سريعًا إلى عقول الجماهير وقلوبهم.
ومن هنا، لم تبقَ أفكار كارل ماركس حبيسة الكتب، بل تحولت إلى أنظمة حكم تبنّتها دول كبرى مثل الاتحاد السوفيتي، وامتد تأثيرها إلى دول أخرى كـالصين، ثم إلى سائر الدول الواقعة تحت نفوذها. حتى غدت كلمات ماركس، في مرحلةٍ من التاريخ، منهاجَ حياةٍ لمئات الملايين من البشر، يقتربون من نصف سكان العالم آنذاك. لقد رُفعت هذه الكلمات راياتٍ فوق الرؤوس، واعتُقد أنها طريق الخلاص من الظلم، وبوابة العدل المنشود.
لكن هذه المسيرة التي بدأت بوعدٍ كبير، انتهت إلى واقعٍ مختلف. فقد اصطدمت تلك الأفكار بالتجربة العملية، وانكشفت مع الزمن فجوةٌ بين ما بشّرت به وما أنتجته في الواقع. فلم تتحقق الوعود الكبرى، ولم يأتِ المجتمع المثالي الذي رُسمت صورته، بل شهدت تلك الأنظمة أزماتٍ عميقة دفعت كثيرًا من الشعوب إلى مراجعتها، بل والتخلّي عنها دون تحسّر.
وهنا تبرز حقيقةٌ لا تختص بتجربةٍ بعينها، بل هي سنّة عامة: أن الفكرة التي لا تقوم على أساسٍ راسخ، قد تجذب الناس زمنًا، لكنها لا تلبث أن تسقط، لأنها في أصلها فاقدةٌ للثبات، محرومةٌ من القرار.
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ(27) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾-إبراهيم
مصدر كلمة ﴿قَرَار﴾ هو “قَرَّ” أي ثبت واستقر، ومنه يُقال: “قَرَّت عينه” إذا سكنت واطمأنت لما تُحب، فلا تريد أن تتحول عنه. فالقرار هو الثبات، وضده التقلّب والاضطراب. وقد بيّن المفسرون هذا المعنى بيانًا جليًّا؛ فقال ابن كثير في تفسير ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾: “أي لا أصل لها ولا ثبات”، وقال السعدي: “لا عروق تمسكها”.
“الكلمة الخبيثة” التي يضرب الله بها المثل لا تقتصر على لفظٍ عابر، بل تشمل كل تركيبٍ لغويٍّ يدعو إلى مذهبٍ يرسم للإنسان منهجًا في حياته، فردًا كان أو مجتمعًا، دون أن يقوم على أساسٍ راسخ من الحق، وإن بدا في ظاهره محكم البناء مُغرِيًا في طرحه.
فمثل هذه الكلمات — كـ “التحرر الجنسي”، أو “الغاية تُبرّر الوسيلة”، أو كما يُقال: “أهم شيء مصلحتي” — ليست مجرد عباراتٍ تُتداول، بل تراكيب لغوية تُصاغ لتدعو إلى مناهج تُشكّل السلوك الإنساني وتوجّه الحياة، ولأنها تفتقد إلى أصلٍ يثبتها، لا تلبث أن تنكشف عوراتها مع الزمن.
إن الكلمات التي لا تقوم على أصلٍ من الحق، والتي يتبناها الإنسان على مستوى الفرد، قد تقوده في حياته إلى ما فيه هلاكه، أو خسارته لنفسه، أو صحته، أو كرامته، وأعظم من ذلك: ظلمه لنفسه بأن يجعلها من أهل النار. وكما تؤدي الكلمات دورًا في تشكيل وعي الفرد، فإنها تؤدي دورًا أخطر في توجيه المجتمعات وتأطير مذاهب حياتها؛ إذ تتسع دائرتها، وتطول آثارها، ويعظم الضرر الناشئ عنها.
ومن هنا تتعمّق المشكلة؛ فالدورات التاريخية للمجتمعات أطول، وعدد المنخرطين في آثارها أكبر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾، فجاء التعبير بصيغة الجمع، لأن أثر “الكلمة الخبيثة” لا يقف هنا عند فرد، بل يمتد ليُضلّ جماعاتٍ وأممًا.
والمشكلة الأعمق أنهم لا يرون ما في هذه الكلمات من خللٍ وهي في طور التنظير، فيتبنّونها ويدافعون عنها، حتى إذا تحولت مع الزمن إلى واقعٍ ملموس — ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ — ظهرت عيوبها، وانكشف خَبَثها، فلا يكون أمامهم إلا اجتثاثها بعد أن يدفعوا ثمنها.
﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾
أعرضت مجتمعاتٌ كثيرة عن كلمة الحق، وردّت براهين الله وبيّناته في كتابه، واستكبرت عن شرائع تُقيم حياتها وتضبط مسيرتها. فلمّا تولّت عن الحق ظلمت نفسها، فوكَلها الله إلى ما اختارت؛ من شعاراتٍ وكلماتٍ رفعتها، وظنّت فيها الخلاص، فإذا بها تقودها إلى واقعٍ مضطرب، تتخبّط فيه، وتتنازعها الأزمات، فلا تثبت على حال.
﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾
فالله قادرٌ على أن يُذيق المجتمعات الظالمة آثار هذا الاضطراب، في صورة أزماتٍ اقتصادية، أو اختلالاتٍ سياسية، أو تفككٍ اجتماعي، حتى ترى نتائج ما تبنّته من كلماتٍ لا قرار لها.
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾
وفي مقابل هذا التقلّب، يقف المؤمنون على النقيض تمامًا؛ ثابتين على كلمةٍ واحدة، لا تتبدل بتبدل الأحوال، ولا تهتز أمام الابتلاءات. كلمةٌ يرون حقيقتها، ويوقنون بعاقبتها، فيرضون بها في الشدة كما في الرخاء.
إنها الكلمة التي لها أصلٌ راسخ، وفرعٌ ثابت، وعاقبةٌ مأمونة:
لا إله إلا الله محمد رسول الله — بها يثبتون، وبها ينجون، وبها يكون عزّهم في الدنيا والآخرة.