اليوم هو الزمن من طلوع الشمس إلى غروبها، ويتراوح عادة في شبه الجزيرة العربية بين 10.5 و14 ساعة طوال السنة، وهما متفاوتان، ولكن الفرق بين هاتين القيمتين لم يكن ذا أثر عظيم في حلّ وترحال أهل الصحراء، ولذلك اعتُبر اليوم عندهم كوحدة زمنية ثابتة تقريبًا.
ولكن هذا لا يعكس حقيقة الحال؛ لأنه إذا توجهنا من بلاد الحجاز شمالًا فسنجد أن هذا الفرق يزداد بين الشتاء والصيف، حتى إذا وصلنا البلاد الإسكندنافية وجدنا أن اليوم يتقلب بشكل حاد حسب الفصول، فقد يصل إلى نحو 5 ساعات شتاءً و21 ساعة صيفًا. ثم إذا استأنفنا المسير شمالًا نصل إلى بعض مناطق القطب الشمالي، حيث يمتد النهار إلى أشهر.
وأما اليوم على الكواكب الأخرى فهو مختلف تمامًا، إذ قد يبلغ في عطارد آلاف الساعات، ويقصر في كواكب أخرى. إذن، اليوم ليس قيمة زمنية مطلقة أو ثابتة، وإنما هو مقدار يتغير بحسب المكان والفصل والكوكب.
واصطلاحًا، قالت العرب في تقدير المسافات في الفيافي بين القرى والمدن: مسيرة يوم ويومين، أو شهر وشهرين. ومسيرة اليوم من نقطة إلى نقطة هي تعبير يدل على المسافة التقريبية بينهما، لا على الزمن الفعلي الذي قد تستغرقه الرحلة، لأن المسافر قد يتعرّج على قرى أو يتوقف للراحة أو غير ذلك، وهذا لا يدخل في حساب “مسيرة يوم”.
وإذا استُعملت “مسيرة يوم” فإنها تُفهم على أساس أقرب طريق ممكن للسير بين نقطتين بحسب العرف والمسالك.
فمثلًا: المسافة بين مدينتي عمّان وعجلون هي نحو 35 كم، ويحتاج الشخص الطبيعي حوالي 8 ساعات لقطعها عبر أقصر طريق. فإذا أردنا التعبير بلغة العرب، قلنا “سرنا من عمّان إلى عجلون في مسيرة يوم مقداره ثماني ساعات”، أو: “سرنا من عمّان إلى عجلون في يوم مقداره ثماني ساعات”. هاتان الجملتان تكافئان قول: “سرنا من مكان يبعد عنا مسافة تُقطع في نحو ثماني ساعات مشيًا”.
أما إذا قلنا: “سرنا من عمّان إلى عجلون ثماني ساعات” فهذا يدل على زمن الرحلة، لا على مقدار المسافة بين نقطتين بذاته، وليس على مسافة أقصر طريق بين عمّان وعجلون.
من المهم فهم الفروقات اللغوية بين هذه التركيبات، لأن لها نظيرًا في التعبير القرآني. يقول الله تعالى:
﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4)﴾-المعارج
﴿فِي يَوْمٍ﴾ يقول لسان العرب في تعريف اليوم: “اليوم معروف مقداره من طلوع الشمس إلى غروبها”، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة يعرفه بأنه زمن من طلوع الشمس إلى غروبها، وهذا هو المعنى الأصلي.
وقد روي عن ابن عباس تفسيره للآية الخامسة من سورة السجدة بأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وهكذا عبر عن المسافة بمقدار زمن السير فيها.
﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يمكن فهم هذا التعبير على أنه ليس مجرد تحديد لزمن، بل بيان لمقدار مسافة عظيمة بوحدة معروفة، وهي الزمن، كما في استعمال العرب.
وإذا قُدِّرت المسافة بين نقطتين بمقدارٍ زمني، فإن هذا التقدير لا يُفهم على أنه وصفٌ للمسار الذي يُسلك بينهما، بل هو بيانٌ لمقدار البعد بين الطرفين في ذاته، بصرف النظر عن الطريق الذي تقع فيه الحركة.
كان التعبير العربي يستعمل الزمن في تقدير المسافات، فيقال: “مسيرة يوم”، و”مسيرة شهر”، ونحو ذلك. غير أن “اليوم” يمتاز بكونه وحدة زمنية مرتبطة بحركةٍ مشاهدة مباشرة، هي انتقال الشمس من المشرق إلى المغرب، بخلاف “الشهر” و”السنة” اللذين يقومان على دورات أطول وأقل اتصالًا بإدراك المسير المباشر.
فإذا قيل: “مسيرة يوم”، كان في اللفظ إشعارٌ بالحركة والانتقال، لا بمجرد العدّ، بخلاف ما لو قيل: “مسيرة سنة”، فإن دلالته تميل أكثر إلى مقدارٍ عدديٍّ مجرد.
ومن هنا جاء التعبير القرآني: ﴿فِي يَوْمٍ﴾، لا ليكون مجرد تحديدٍ لزمن، بل ليحمل في طيّاته معنى الحركة والامتداد، فيُفهم منه أن التقدير ليس عدًّا لزمنٍ فحسب، وإنما هو مقدارٌ يقع في سياق مسير وانتقال بين نقطتين.
اترك تعليقاً