بدأت بدايات تشكّل مجرة درب التبانة في وقت مبكر من تاريخ الكون؛ وتشير معطيات حديثة إلى أن أجزاءً منها (مثل القرص السميك) بدأت تكوّن النجوم قبل نحو 13 مليار سنة، أي خلال أول مليار سنة تقريبًا بعد الانفجار العظيم. وتُعدّ درب التبانة من أقدم المجرات الكبيرة في جوارنا الكوني.
في البداية، كانت مجرّة درب التبانة—في صورتها الأولى—عبارة عن سحابة يغلب عليها غازا الهيدروجين والهيليوم: مادة خفيفة وبسيطة. ومع مرور الزمن تجمّعت هذه الغازات في سحب ضخمة داخل المجرة، وبفعل الجاذبية (ومع التبريد)، انهارت أجزاء منها وولدت نجومًا. وعملت حرارة هذه النجوم العالية كـ “أفران طبيعية” هائلة تحوّل الهيدروجين إلى هيليوم، ثم—وفي النجوم الأكبر—تُصنع عناصر أثقل مثل الكربون والأكسجين والسيليكون، وقد تنتهي تفاعلات الاندماج في النجوم الضخمة إلى عناصر عند حدود الحديد. وعندما تشيخ النجوم أو تنفجر، تعيد جزءًا من مادتها إلى الفضاء: غازات وغبار يحملان هذه العناصر الجديدة. وهكذا يبدأ ما يمكن تسميته بـ “إعادة تدوير” داخل المجرة: سحابة، ثم نجوم، ثم إطلاق مواد إلى الوسط بين النجمي، ثم تتشكل سحابة جديدة مرة أخرى.
وأول العناصر الثقيلة المرتبطة ببيئة درب التبانة ظهرت على الأرجح خلال 0.1 إلى 1 مليار سنة بعد الانفجار العظيم، ثم ظلّت تُبنى وتزداد داخل المجرة حتى أصبحت وفيرة بما يكفي لتكوين كواكب صخرية مثل الأرض لاحقًا.
بعد مليارات السنين من هذا التدوير، صار الوسط بين النجوم أغنى بهذه العناصر الثقيلة التي نحتاجها لصناعة الصخور والكواكب. عندها، وفي إحدى مناطق درب التبانة، تكوّنت سحابة كبيرة “غنية” بما يكفي من الغبار والمعادن، ثم انهار جزء من هذه السحابة قبل نحو 4.6 مليار سنة، فتكوّن في المركز الشمس، وحولها تشكّل قرص من الغاز والغبار. وفي داخل هذا القرص بدأت الحبيبات الدقيقة تلتصق ببعضها: أولًا غبار، ثم حصى، ثم صخور، ثم أجسام أكبر. ومع الوقت تزايدت الاصطدامات والاندماجات حتى تشكّلت الكواكب.

بدأت الأرض كتجمّع من مواد “طُبِخت” في نجوم أقدم: سيليكون وأكسجين ومغنيسيوم وحديد… ثم سخنت بسبب الاصطدامات وبسبب طاقتها الداخلية، فذابت أجزاء من الأرض وانفصلت المواد حسب كثافتها: الحديد والنيكل نزلا إلى الداخل ليشكّلا لبًّا معدنيًا، بينما تكوّنت القشرة والوشاح من الصخور الأخف. ومع استمرار وصول بعض المواد الطيّارة (ومنها الماء) وتطوّر الغلاف الجوي والبراكين، استقرت الأرض تدريجيًا على شكلها المعروف.
بهذا المعنى، الأرض ليست “شيئًا ظهر فجأة”، بل هي نتيجة رحلة طويلة داخل المجرة: بدأت بذرات بسيطة من الهيدروجين والهيليوم، مرّت عبر أجيال من النجوم التي صنعت العناصر الثقيلة، ثم عادت هذه العناصر إلى الفضاء، وتجمّعت من جديد في سحابة، ومن تلك السحابة وُلدت الشمس والأرض والكواكب.
ولا بدّ أن نورد هنا حقيقةً فلكيةً أخرى متفقًا عليها، وهي أن البنى الأكبر المحيطة بالمجرة—مثل مفهوم المجموعة والتجمعات الفائقة—لم تتكوّن دفعةً واحدة، بل تبلورت تدريجيًا وببطء عبر مليارات السنين بعد بدايات تشكّل درب التبانة. ومن اجتماع هاتين الحقيقتين: التشكل المبكر لعناصر المواد الداخلة في تكوين الأرض، والتشكل المتأخر للبنى الفلكية المحيطة بالمجرة وموضع الأرض فيها، يتضح لنا وجهٌ من المعنى في قول الله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)﴾-البقرة
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ لا تقول لنا هذه الآية الكريمة إن الأرض خُلقت، وإنما تقول: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، أي إن كل ذرةٍ من كل عنصرٍ أو فلز موجودٍ على سطح الأرض أو في جوفها إنما خُلقت وتشكّلت قبل أن يتبلور الشكل الحالي للسماوات السبع التي تعلو الأرض.
﴿مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ كل ذرةٍ من حديدٍ، ونحاسٍ، ورصاصٍ، وزئبقٍ، ونيكلٍ، وفضةٍ، وألمنيوم، مما يحيط بنا—قد خُلقت بعد ميلاد الكون، وقبل أن تنتمي الأرض إلى هذه البُنى الفلكية العظيمة: من مجموعاتٍ فلكية، أو عناقيد فائقة، أو ما نسمّيه نحن «سماوات».
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: خلق مادةَ الأرض لكم—أنتم أيها الناس—في مرحلةٍ مبكرة من بدء الخليقة، وقبل أن يتشكل هذا الكون العملاق وينتظم بهذا الترتيب والثبات. يخبرنا القرآن بهذا ليُعلِم هذا المخلوق المسمّى بالإنسان أنه—على الرغم من شدة ضآلته وصِغَره—محورٌ أساسي في خلق الكون، بل وفي الغرض من خلقه. وفي هذا تشريفٌ جليل، وفي الوقت نفسه إلقاءُ مسؤوليةٍ عظيمةٍ على عاتقه، تعادل—في معناها—حجم هذا الكون بكل ما فيه من سماوات.
﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ المدة الزمنية التي خُلقت فيها أصل مادة الأرض من جزئيات تتقاذفها النجوم والسحب والسُدُم المختلفة كانت هي “اليوم” الأول الذي خلق الله فيه الأرض وتكون الأرض -بشكلها الحالي- من هذه المواد كان هو “اليوم” الثاني.
وفي هذا يقول الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: اعْلَمْ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما سُئِلَ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ آيَةِ ”السَّجْدَةِ“ وآيَةِ ”النّازِعاتِ“، فَأجابَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ أوَّلًا قَبْلَ السَّماءِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعًا في يَوْمَيْنِ ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ وجَعَلَ فِيها الرَّواسِيَ والأنْهارَ وغَيْرَ ذَلِكَ، فَأصْلُ خَلْقِ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ ودَحْوِها بِجِبالِها وأشْجارِها ونَحْوِ ذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ، ويَدُلُّ لِهَذا أنَّهُ قالَ: والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ولَمْ يَقُلْ خَلَقَها، ثُمَّ فَسَّرَ دَحْوَهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَ مِنها مَآءَها ومَرْعاها﴾”.
إن أصبتُ فبتوفيقٍ من الله فله الحمد، وإن أخطأتُ أو شططتُ فمن نفسي.