سَبْعَ سماوات طِبَاقاً

تحتفظ الأرضُ بغلافٍ غازيٍّ يحيط بها بفعل الجاذبية، وتتناقص كثافةُ هذا الغلاف كلما ارتفعنا عن سطحها. ولا ينتهي الغلافُ الجوي عند حدٍّ حادٍّ، بل يمتدّ تدريجيًا، وتبلغ طبقته الخارجية (الإكسوسفير) مدى يقارب 10,000 كيلومتر فوق سطح الأرض. ومع أن هذا الامتداد متصل، فإن التعريفات الاصطلاحية في علوم الطيران والفضاء كثيرًا ما تتخذ ارتفاعًا يقع بين 80 و100 كيلومتر بوصفه “حافةً” تقريبية للفضاء.

تنتمي الأرض—بما فيها غلافها—إلى المجموعة الشمسية التي تتمركز حول الشمس، وتضم ثمانية كواكب رئيسية وأجسامًا أصغر، كالكويكبات والكواكب القزمة. ثم تنتمي المجموعة الشمسية إلى مجرة درب التبانة، وهي مجرة حلزونية يُقدَّر عدد نجومها بنطاق واسع يتراوح تقريبًا بين 100 و 400 مليار نجم.

وعلى المقاييس الأكبر، لا تتوزع المجرات عشوائيًا، بل تنتظم في بُنى مرتبطة بالجاذبية. فالمجرات قد تتجمع في مجموعات مجرية  (Galaxy Groups)  يكون عدد أعضائها غالبًا في حدود “نحو 100 أو أقل”، بينما قد تضم العناقيد المجرية (Galaxy Clusters) مئاتٍ إلى آلاف المجرات. وتعيش مجرتنا ضمن المجموعة المحلية (Local Group) التي تضم أكثر من 50 مجرة، وتقع المجموعة المحلية قرب عنقود العذراء، ولكنها لا تنتمي إليه.

وبعد المجموعات والعناقيد تأتي بُنى أوسع تُسمّى التجمعات الفائقة (Superclusters). تنتمي المجموعة المحلية إلى عنقود العذراء الفائق الذي يتمحور حول عنقود العذراء. وفي الخرائط الحديثة للبنية الكونية الكبرى، يُعَدّ عنقود العذراء الفائق جزءًا من بنية أوسع، تقع على أطراف العنقود الفائق لانياكيا (Laniakea)، الذي يضم قرابة 100,000 مجرة.

وتتآلف هذه البُنى جميعًا ضمن ما يُعرف بـ الشبكة الكونية (Cosmic Web)، وهي نسيجٌ واسع من العناقيد والمجموعات والفراغات، يَشُدُّ بعضُه بعضًا عبر خيوطٍ من المادة.

وبهذا المنظور الوصفي يمكن—لأغراض البيان—أن نرتّب “حيّزنا الكوني” في طبقات متراكبة: من الغلاف الجوي، إلى المجموعة الشمسية، إلى المجرة، إلى المجموعة المحلية، إلى البُنى الأوسع فالأوسع، مثل عنقود العذراء الفائق ثم العنقود الفائق لانياكيا؛ وهذه جميعًا ضمن الشبكة الكونية. ويأتي السياق القرآني ليلفت نظرنا إلى هذه الهيكلية في بناء الكون، فيقول الله تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾

﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: “طبقة بعد طبقة… وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهن على بعض، أو متفاصلات بينهن خلاء؟ فيه قولان، أصحهما الثاني.”

وهنا تتفتح العبارة القرآنية—بإيقاعها وإحكامها—على معنى “الطباق”: تعالٍ بعد تعالٍ، واتساعٌ بعد اتساع؛ واللغة تُلقي في القلب ظلًّا من “التراكب” و“التعالي” و“الطبقات” التي يراها الإنسان كلما وسّع بصره: سماءٌ وراء سماء، ومشهدٌ فوق مشهد، وسعةٌ تفضي إلى سعة.

﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ ومن أعظم بركات هذه الجملة علينا—بهذا الفهم—أنها تساعدنا على قراءة آياتٍ أخرى في القرآن بوعيٍ أدقّ. فحين يقول الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ يلفت نظرنا إلى عظمة الخلق واتساعه. وحين يقول تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ فإنما يشير إلى صفةٍ فيزيائية تمتاز بها إحدى السماوات التي ننتمي إليها أو لا ننتمي. وحين يقول تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فهو يتحدث عن سماءٍ معيّنة، ولا بد أن هذه السماء تحديدًا هي إحدى السماوات التي تنتمي إليها الأرض.

قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ﴾؛ أي إن كل موتٍ وكل حياةٍ يقعان في هذا الوجود إنما هما في سياق الابتلاء والامتحان للإنسان. ثم خصَّص وبيَّن أكثر بقوله: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾. ومن المعروف أن في السماوات تتولد نجومٌ ومجراتٌ جديدة، ثم تضمحلّ وتموت. وكأن الآيات تقول لنا: إن هذا الكون—المتعدد السماوات، الممتد في أبعادٍ وأعدادٍ مذهلة لا نستطيع حتى تخيلها—قد خُلق لكي تُبتلى وتُختبر أنت أيها الإنسان.

اللهم ارحمنا برحمتك يوم الوقوف بين يديك.