وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ

يكاد يكون الانتماء إلى مجموعةٍ أو “شِلّة” جزءًا من حياة الإنسان أينما كان؛ فنراه منذ صغره ينتمي إلى شِلّة في الحيّ، ثم في المدرسة، ثم في الجامعة، ثم في العمل.

وتُعرِّف المعاجم العربية “الشِّلّة” بأنها مجموعة من الأصدقاء تجمعهم ميول مشتركة، وغالبًا ما يسود بينهم التفاهم والتعاون لتحقيق مصالح مشتركة. لكن حين تتحوّل هذه المجموعة إلى العمل ضد الآخرين لتحقيق مصالحها، فإنها تنتقل من كونها “شِلّة” إلى “عِصابة”، والعصابات منها ما يكون في الخير ومنها ما يكون في الشر.

إن انتماء الإنسان إلى مجموعة يحقق له مصالح كثيرة؛ فهو يجد فيها الأُنس والعون. ومن هنا يأتي توجيه الله تعالى، ليرشدنا: مع من نكون؟ ومن نصاحب؟ وإلى أيّ فريق ننتمي؟

قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

إن قوله تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ دعوةٌ واضحة إلى البحث عن أهل الصدق والانضمام إليهم؛ فالمرء يتأثر بمن يُصاحب.

وقد نُقل عن قتادة أن الصادقين هم: من صدق في قوله، ونيّته، وعمله، وسرّه وعلانيته. فالصدق يشمل علاقة الإنسان بربّه، كما يشمل علاقته بالناس.

ويأتي الأمر بالتقوى أولًا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ثم يتبعه الأمر بالانتماء: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، وكأن في ذلك إشارة إلى أن مصاحبة الكاذبين تتعارض مع حقيقة تقوى الله، بل قد تكون سببًا في الانحراف عن طريقه.

إن الصدق مفتاح كل فضيلة، والكذب مفتاح كل فجور. وإذا غلب الكذب على مجموعة من الناس، فإنها لا تتردد في الوقوع في الظلم والشر. ولذلك كان انضمام المؤمن إلى جماعة يغلب عليها الكذب أمرًا خطيرًا، لأنه يقوّي الباطل ويُضعف الحق.

وتبدأ حاجة الإنسان إلى الجماعة منذ طفولته، حين يبحث عمّن يشاركه اللعب، ثم تستمر هذه الحاجة في مراحل حياته المختلفة. لكن هذه الآية الكريمة تُوجّه المؤمنين إلى أن الأساس في اختيار من نصاحب ليس “المصلحة”، بل “الصدق”.

﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ تدفع المؤمن إلى مراجعة نفسه، فإن رأى أن الجماعة التي ينتمي إليها قد انحرفت إلى الكذب، وجب عليه أن يبتعد عنها.
﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ دعوة للتحرر من التبعية العمياء، ومن عقلية القطيع التي تتبع الآخرين دون نظر.

ومن جانبٍ آخر، فإن هذه الآية ليست فقط أمرًا باختيار الصحبة، بل هي أيضًا دعوةٌ إلى التحلّي بخُلق الصدق نفسه؛ فحين يصدق الإنسان، فإنه ينجذب بطبعه إلى الصادقين، ويكون منهم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
إن تطبيق هذه الآية كفيلٌ بأن يُغيّر حال أمةٍ بأكملها.