في طفولتي، كنتُ أظنّ السماءَ حدًّا بعيدًا يبدأ من حيث تنتهي النجوم والكواكب والمجرّات؛ كأنها سقفٌ أخيرٌ وراءه الفراغ. وكان خيالي يرسمها حيّزًا يتوارى عن الأبصار بعد آخر ضوءٍ يمكن أن تبلغه العين. ثم كبرتُ، وطال بي التأمل في الخطاب القرآني الذي يدعونا إلى النظر في السماء وما فيها، فبان لي أن ذلك التصوّر—على ما فيه من براءة الطفولة—بعيدٌ عن الدقة؛ إذ إن الله تعالى يكرر في مواضع عديدة أمرَ النظر إلى السماء، لا بوصفها نهايةً مجهولة، بل بوصفها آيةً فوقنا يمكن النظر فيها والتأمل في دلالتها.
فما السماء إذن؟ أهي صفحةُ هذا الوجود كلِّه: نجومًا ومجرّاتٍ وكواكبَ، وسُحُبًا بينَ نجمية، وثقوبًا سوداء؟ وإذا سلّمنا بهذا الاتساع، فكيف نفهم السماوات السبع؟ وما المراد بـ السماء الدنيا؟ على أي حال، آثرتُ أن أبدأ التعريف من حيث يبدأ اليقين: من القرآن الكريم. يقول الله تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6)﴾ -ق
وعند كلمة ﴿بَنَيْنَاهَا﴾ تتجدد الأسئلة. يقول الشيخ حسن المصطفوي في كتابه التحقيق في كلمات القرآن الكريم عن مادة «بنى»: إن أصلها الواحد هو ضمُّ أجزاءٍ وموادّ بعضِها إلى بعض حتى تتكون هيئةٌ مخصوصة، ماديةً كانت أو معنوية. فالبناء ليس مجرد جمعٍ اعتباطيّ، بل ضمٌّ مقصود يُنتج صورةً تستقرّ وتثبت.
نحن حين نبني بيتًا من طوبٍ وحديدٍ وأخشاب، لا نترك هذه العناصر مبعثرةً؛ بل نضمّها إلى بعضها بملاطٍ أو رباطٍ أو ما يقوم مقام ذلك، فتتشكل الهيئة المقصودة: بيتٌ له نظام، وله تماسُك، وله ثبات. وبقدر ما يتحقق هذا الثبات يتحقق النفع: سكينةٌ في الداخل، ودفءٌ، وحمايةٌ من اضطراب الخارج.
توجّهنا الآية إلى السماء، وتدعونا أن نتأمل في كيفية بنائها.: كيف بُنيت؟ فإذا كان البناء—بحسب هذا المعنى—ضمَّ أجزاءٍ موجودة أصلًا لتنتظم في هيئةٍ واحدة، جاز لنا أن نتأمل السماء بوصفها انتظامًا عظيمًا: فكلُّ مجموعةٍ من الأجرام تتآلف في نظامٍ وتترابط، فهي “سماء” من هذا الوجه. فمجموعتنا الشمسية سماءٌ بما تضمّه من كواكب وأقمارٍ ومسارات، ومجرةُ دربِ التبانة سماءٌ بما تحويه من نجومٍ ومجموعاتٍ شمسية، بل إن كل مجرةٍ تُعدّ سماءً لما احتوته، وكلُّ تجمّعٍ من المجرّات إذا ارتبط ببعضه ارتباطًا مُحكَمًا كان سماءً لِما يضمّه من عوالم.
*وكما أن بيوت البشر تتماسك بما يشدّ عناصرها ويثبتها—كالملاط والإسمنت ونحوِهما—فإن الأجرام السماوية لا تنتظم ولا تستقرّ في أفلاكها إلا بما يربط بينها: قوى الجاذبية. إنها “ملاط” الكون الذي يشدّ أجزاءه إلى نظام، ويمنح هذا البناء العظيم تماسكه واتزانه.
كتبه حسني خنفر – غفر الله له ولوالديه
السويد 14 يناير 2026
ملاحظة: نشرت هذا المقال أولا على صفحتنا على الفيسبوك- هذا هو الرابط
Comments
رد واحد
الحمد لله رب العالمين