فِي جَنَّاتٍ

تُقدم مكاتب السياحة والسفر لزوارها الراغبين بقضاء إجازة في مكان ما العديد من الخيارات، هناك المالديف ذات المياه الدافئة والشواطئ الرملية الساحرة، وهناك ماليزيا التي بها بُحيرات صافية وجزر سياحية تُحيط بها قمم الجبال، وهناك مصر بأهراماتها وبحرها الأحمر، وهناك تركيا بطبيعتها الخلابة على البحر الأسود، وهناك جبال الألب البيضاء، وهناك قلاع عُمان الجبلية، وهناك براري السافانا في أفريقيا، وهناك نهر الأمازون وغاباته المطيرة. وبين هذه العروض، ينطلق الخيال بين عوالم كلها متعة وبهجة.

في السياحة والسفر، تتغير البيئة التي يحيا بها الإنسان، وهذا يُكسب أعصابه ونفسه مشاعر حسية جديدة بسبب تغير الطقس بما فيه من حرارة ورطوبة وأمطار وثلوج وخلافه. كما أن تغير التضاريس والمناظر والألسنة والألوان ونكهات الطعام يحفّز النفس حتى تركز بأدق التفاصيل، وهذا يُورثها راحة ومتعة.

لا توجد نعمة من نعم الدنيا إلا وجعل الله تعالى لها مثيلًا أو مقابلًا في الآخرة، ومن نعم الدنيا كثرة وتباين العوالم التي عليها، وإذا كان هذا هو حال الأرض التي هي مجرد نقطة في هذا الكون الهائل الأبعاد، فكيف بحال الجنة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.

ويُشير القرآن إلى أن من تمام نعيم أهل الجنة تنقّلهم في عوالم متعددة وأماكن شتّى، كما قال الله تعالى:

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾-الدخان

وقد دلّت آياتٌ أُخر على سَعة الجنة وعِظَمها، وهذه الآية تُبيّن حال أهلها أنهم ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾.

يرد في القرآن ذكر الجنة مفردةً وجمعًا، فإذا جُمعت بـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ دلّ ذلك على تعددٍ لمواضع النعيم وتنوّعٍ في صوره، فلا يقتصر على صورة واحدة ولا يُحاط بتفاصيله، إعدادًا لإسعاد أهلها بما لا ينفد ولا يُملّ.

وقد أخبر الله تعالى ورسوله عن قصور الجنة وأنهارها، ويُفهم من قوله ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ سَعةُ المساكن وتعددها وكمالُ الراحة فيه.

تدل آية ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ على أنهم في موضعٍ آمنٍ لا خوف فيه ولا زوال ولا نقص،

وليس هذا الأمن كحال بعض أهل الدنيا من أصحاب المكانة ممن يُحاطون بالحراسة فيُقيَّد تحرّكهم، بل هو أمنٌ تامٌّ لا يُنافي تمام الحرية، ولذلك أتبعت بقوله تعالى ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ليدلّ على أنهم يتقلّبون بأمنٍ وأمان بين جناتٍ متعددة، ويتنقّلون بين مواضعها في سَعةٍ وسرور.

وقد يورث بقاء الإنسان في حالٍ واحدٍ نوعًا من السآمة في الدنيا، وذلك لأن الدنيا دارُ استخلافٍ وعملٍ وتغيّر، أما في الجنة فلا سآمة ولا ملل، وذلك لأن الجنة دار نعيم، فنفوس أهلها في أكمل ما تكون، ولأن من تمام نعيم أهلها تنقّلهم بين مواضع النعيم وتقلّبهم في جناتٍ متعددة.

فليست الجنة إذن موضعًا واحدًا على نمطٍ واحد، بل هي عوالم متعددة، يتنقّل فيها أهلها، في تنوّعٍ دائم لا ينقطع، واتساعٍ لا يُحدّ. وإذا كان تنوّع الدنيا — على ضيقها — يُدهش الإنسان ويُبهجه، فكيف بتنوّعٍ أعدّه الله لعباده في دارٍ لا نفاد لنعيمها ولا حدّ لعطائها.

فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ