يُضفي وجود الماء المتعة والفرحة على القلوب، ولهذا نجد أن شواطئ الأنهار والبحيرات والبحار من أكثر الأماكن التي يُقبل الناس على ارتيادها مرارًا، ولهذا أيضًا يسعى الميسورون عند بناء قصورهم وبيوتهم إلى إضافة المسابح والبرك والشلالات الصناعية، وذلك لما في الماء من إحياءٍ للنفوس، يُذهب عنها السآمة والملل ويجلب لها الراحة والنشاط.
ومن أصفى مصادر المياه في الدنيا عيونُ الأرض، وهذه تمتاز على البحار والأنهار بأن ماءها عذب صافٍ منعش، ليس به ملوحة البحار ولا كدر الأنهار، ومن أعظم خيراتها أنها قد تنبع في أماكن يقلّ فيها الماء، فتصبح ملجأً للطير والسباع والدواب والبشر، فيبتهج بها كل من يراها من بعيد، لما فيها من الظل والسقيا وإرواء العطشى، وأحيانًا تكون سببًا في النجاة من الهلاك.
يذكر الله تعالى عيون الماء في الجنة، وأنها من النعيم الذي أعدّه لعباده المتقين، فيقول عز وجل:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52)﴾-الدخان
تفتح هذه الآية مشهدًا من النعيم المقيم، حيث تجري العيون في الجنة لعباد الله المتقين، فيستحضر القلب ما عرفه في الدنيا من بهجة رؤية الماء، ثم يدرك أن ما في الجنة أعظم وأكمل.
وفي تلك الجنات تتوزع العيون في مشاهد بديعة، تنساب بين الحدائق والقصور، في تناغمٍ يملأ النفس جمالًا وطمأنينة، فتقرّ بها العيون قبل أن ترتوي منها الأجساد.
وتجري هذه العيون رقراقة، وقد تنحدر من علوٍّ فيسمع لها خريرٌ يبعث في النفس سكينةً عميقة.
إن هذه الآية ترسم مشهدًا من النعيم الكامل، حيث يجتمع جمال المنظر مع راحة النفس، في بيئةٍ يغمرها الصفاء والسكينة، وذلك هو بعض ما أعدّه الله لعباده المتقين.