وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ

يجلس المؤمن في الجنة بين زوجاته من الحور العين .. لهن عطر فواح وفي وجوههن آيات الجمال .. أصواتهن ناعمة وألحانهن رقيقة .. فيهن من الحسن ما يفوق الوصف .. إذا ضحكت إحداهن أسرت قلب صاحبها .. إنهن يتنافسن في التقرب له … يحرصن على إرضائه .. يخضعن بالقول ولا يعصين أمره … وفي أثناء ما هو في هذا كله من النعيم، تفيض السعادة من قلبه حتى يتلألأ وجهه لفرط فرحته بما وهبه ربه ..

﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)﴾ -الصافات

﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ فتيات حسناوات يقصرن نظراتهن على أزواجهن فلا ينظرن أو يتبادلن النظرات مع غيرهم من الرجال. ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ إنهن طاهرات عفيفات لا يبدو منهن شيءٌ لغير أزواجهن.

﴿عِينٌ﴾ أي كبيرات وجميلات الأعين. ﴿عِينٌ﴾ في وصف كمال جمال أعين الحور العين، إشارة إلى كمال خلقة سائر أعضائهن دون حاجة إلى تفصيل ذلك.

﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ بدأ الله تعالى هنا بوصف أخلاق الحور العين قبل وصف محاسنهن وذلك لأن حُسن الخُلق مُقدم على حُسن الجمال وإن أعظم جمال في الزوجة هو في تعففها عن غير زوجها.

﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ تقتدي بنات الدنيا بمثيلاتهن من ذوات الحُسن والجمال، يقتدين بلباسهن وحركاتهن بل ونمط معيشتهن، وهنا تلفت الآيات انتباه وإدراك بنات المسلمين لأخلاق وتصرفات فتيات بلغن الكمال في جمالهن وحُسنهن.

﴿وَعِنْدَهُمْ﴾ ولم يقل “لديهم”، لأن “لديهم” تُشعر غالبًا بقرب الشيء في موضعٍ محدد، أما “عندهم” فهي أوسع دلالة، لا تقيّد النعيم بمكانٍ واحد، بل تُصوّره ملازمًا لهم، حيثما كانوا وجدوه حاضرًا معهم، في مجالسهم وبيوتهم وجناتهم، لا ينفصل عنهم ولا يغيب عنهم، بل يتجدد لهم ويحيط بهم في كل حال.

﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾  إن عند المؤمن في الجنة حور عين في كل بيت من بيوته، وفي كل مجلس له، يتنقّل في نعيمه حيث يشاء .. وكلما انتقل ازداد نظرًا في تنوع الحسن وكماله، فلا يرى جمالا إلا ويُفتح له ما هو أعجب منه.

هناك حديث صحيح عن حُسن الحور العين يرويه الإمام البخاري عن الرسول ﷺ يقول فيه: “لو أنَّ امْرَأَةً مِن أهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إلى أهْلِ الأرْضِ لَأَضاءَتْ ما بيْنَهُما، ولَمَلَأَتْهُ رِيحًا، ولَنَصِيفُها علَى رَأْسِها خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فيها”. والنصيف هو ما يُغطّى به الرأس من خمار أو نحوه.

﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ إن الله أعدّ للمؤمنين في الجنة أزواجًا من الحور العين، وأدنى أهل الجنة يُزوَّج زوجتين منهن كما ثبت في السنة … ما أعظم حسرة من سيخسر هذا النعيم. اللهم اجعلنا من أهل الفردوس الأعلى.