یَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِنَصۡرِ ٱللَّهِ

تمرُّ منطقتُنا العربيةُ المسلمة بكثيرٍ من الصراعات العسكرية؛ كصراع إيران والعراق في الثمانينيات، الذي تبعه صراعُ العراق وأمريكا في أوائل التسعينيات، ثم صراعُ حزب الله مع إسرائيل، والحربُ الأهلية في ليبيا، والحربُ الأهلية في سوريا، وأخيرًا الصراعُ الحالي بين إيران وأذرعها —كما يُسمّى— وبين أمريكا وإسرائيل. وإذا نظرنا إلى هذه الصراعات وجدنا أنها تُقسِّم آراء الناس في منطقتنا العربية، ويشتدّ هذا الانقسام حينما يتعلّق الأمرُ بقوةٍ إسلامية نختلف معها مذهبيًّا، ولها مواقف إيجابية وأخرى سلبية. ويتحوّل هذا الانقسام الفكري عادةً إلى جدلٍ مزمنٍ لا ينطفئ إلا بانتهاء الأحداث، ويزداد معه الشرخُ والحيرة حينما يُحوِّل كثيرٌ من الخطباء والدعاة الجدلَ السياسيَّ إلى استحقاقٍ دينيٍّ يُؤثِّم هذا أو ذاك، علمًا بأن جوهر الخلاف لا يتجاوز في النهاية كونه «مشاعرَ قلبية» من بُغضٍ وتشَفٍّ، أو تعاطفٍ وشَفَقة؛ وهي مشاعر لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر، لا في ميزان الأحداث ولا في ميزان علاقة الناس بربهم.

أنزل الله تعالى كتابه هُدًى نُفرِّق به بين الحق والباطل، وهذا الكتاب المجيد يُقدِّم رؤيةً لصراعٍ سياسيٍّ بين قوتين غير مسلمتين، ثم يُرينا موقفَ الصحابة الأوائل المؤمنين من هذا الصراع ورأيَهم السياسي، بل يكشف مكنونَ نفوسهم ومشاعرَهم، ثم يُرينا أن الله —بقدرته— قد طيَّب خاطرهم بنصرِ إحدى هاتين الأمتين «الكافرتين» على الأخرى. وفي هذا يقول الله تعالى:

﴿الۤمۤ ۝١ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ۝٢ فِیۤ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَیَغۡلِبُونَ ۝٣ فِی بِضۡعِ سِنِینَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَیَوۡمَىِٕذࣲ یَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ۝٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ یَنصُرُ مَن یَشَاۤءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلرَّحِیمُ ۝٥﴾ [الروم: ١–٥]

في حرب الفرس والروم كان كِلا الفريقين على الشِّرك؛ فالفرس يعبدون النار، والروم جعلوا لله ولدًا وجعلوه ثالثَ ثلاثةٍ، واضطهدوا الأريوسيين الموحِّدين. ومع ذلك لم تكن الصورة عند المسلمين في مكة سواءً بين الطرفين؛ فقد غاظتهم هزيمةُ الروم أولَ مرة، لا لأن الروم على الحق، بل لأن ما بقي عندهم من دين —على ما دخله من تحريفٍ وشرك— كان أقرب إلى أصلٍ سماويٍّ جاء به عيسى عليه السلام من وثنيةٍ صريحةٍ تُؤلِّه النار. ولذلك وصف اللهُ غلبتَهم على عدوِّهم بأنها نصرٌ من الله.

ثم جاءت الأيام لتؤكد المعنى المقصود من هذا الفرح؛ فحينما شبَّت دولة المسلمين في المدينة وامتلكت أسباب القوة، لم يمنع ذلك الفرحُ القديمُ أن يخوض المسلمون صراعًا مع الروم والفرس على حدٍّ سواء؛ لأن الفرح بانتصار طرفٍ على آخر لا يعني الرضا بعقيدته ولا الإقرار بشركه، وإنما هو تقديرٌ لكونه أقربَ من خصمه في بعض الوجوه، أو لأن انتصاره يحقّق مصلحةً مرحليةً للمسلمين، مع ثبات البراءة من الباطل أينما كان.

وهذا التفريق ضروري؛ لأن الميل السياسي أو الارتياح لنتيجةٍ ما في ميزان القوى لا يُساوي بالضرورة موالاةً دينيةً ولا قبولًا عقديًّا. قد يسرُّ المؤمنين أن يضعف باطلٌ أشدّ، أو أن يُكسَر خصمٌ أعتى، أو أن يتقدّم طرفٌ أقرب إليهم من وثنيةٍ صريحة؛ ومع ذلك يبقى الأصل ثابتًا: التوحيد أولًا، ثم تُوزَن المصالح بميزان الشرع.

ومن الشواهد التي يستأنس بها في هذا الباب ما وقع في معركة ذي قار، إذ انتصر العرب—وهم يومئذٍ على شركهم—على الفرس، فسرّ النبي ﷺ بذلك، وجاءت العبارة المشهورة: «وبِي نُصِروا»؛ لأن تلك الغلبة كسرت هيبة الفرس في المنطقة، ورفعت معنويات العرب، وكسرت ميزانًا كان يُستَضعَف فيه العرب طويلًا. ومع ذلك لم تكن تلك السرورُ تزكيةً لشرك العرب ولا إذنًا بمسايرتهم على باطلهم؛ بدليل أن النبي ﷺ خاض بعد ذلك صراعًا واسعًا مع قبائل عربية كثيرة خالفته، وقاتل من قاتله، وواجه من نكث عهده، ولم تمنعه رابطة القومية من القيام بأمر الله حيث أمره.

ثم جاء عهد الصديق أبي بكر رضي الله عنه، فاشتدّت الفتنة بعد وفاة النبي ﷺ، وارتدت قبائل، ومنعت أخرى الزكاة، فخاض معها أبو بكر حروبًا طاحنة حفاظًا على أصل الدين ووحدة الأمة، ولم يُفرِّق بين القبائل التي قاتلت الفرس في معركة ذي قار والقبائل التي لم تقاتلهم. وهذا يؤكد مرةً أخرى أن الاعتبارات القومية أو القبلية أو حتى السياسية ليست ميزانًا يُتبع، بل تُوزن بالشرع، وتُقدَّم حيث يَأذن الشرع، وتُطرح حيث يَمنع الشرع.

والذي أريد قوله في نهاية هذا كلّه: إن الاختلاف العقدي مع أيِّ فريقين متصارعين من أمم الأرض لا يمنع أن تكون مصلحتنا في فوز أحدهما في ظرفٍ من الظروف، ولا يمنع أن تفرح قلوبنا بانتصار الأقرب إلينا من ناحية العقيدة، أو العرق، أو الجغرافيا، أو التاريخ، أو المصير، أو حتى العدوِّ المشترك. لكنها تبقى فرحةً منضبطة: لا تُبرِّر باطلًا، ولا تُسوِّغ شركًا، ولا تُذيب ثوابتَ الدين.

إن قلوب الناس مفطورة على الانتصار للقريب من البعيد، وهي كذلك مفطورة على كراهية من ظلمهم وتجبّر عليهم، وهذه المشاعر والميول الفطرية تلعب دورا محوريا في تشكيل الآراء السياسية في وعي الناس، وهذه الآراء عادة ليس بها ولاء للكفار أو شرك بالله أو كفر يجلب إثما.

ليس الدور الحقيقي للداعية دعوة الناس لمغالبة مشاعرهم، وإنما في حراسة العقيدة في قلوبهم إذا رآهم قد انجرفوا وراء عاطفتهم بما يؤدي إلى تبنيهم عقائد باطلة أو ممارسات شركية أو موالاة للظلمة والكفار.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *