وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ

يُطلق العلماء مصطلح “الكون المنظور” (Observable Universe) على ذلك الجزء من الكون الذي يستطيع الإنسان رصده بأدواته الفلكية، ويُقدَّر قطره بنحو 94 مليار سنة ضوئية، ويضم تريليونات المجرات، تحتوي كل منها على مئات المليارات من النجوم.

ومع ذلك، فإن هذا الكون الهائل ليس إلا جزءًا محدودًا مما هو موجود؛ إذ يشير العلماء إلى وجود ما يُعرف بـ”الكون غير المنظور”، وهو ما يتجاوز حدود ما يمكن للإنسان رصده، ويُقدَّر العلماء حجمه بأنه أكبر من الكون المنظور بمئات إلى ملايين المرات.

نحن إذن أمام أرقام تتجاوز قدرة العقل البشري على التصور، وأمام عالمٍ كلما توسع العلم في فهمه، ازداد الإنسان إدراكًا لضآلته أمام هذا الاتساع الهائل…

يُقدِّر العلماء  عدد المجرات في هذا الكون المنظور بنحو 2000 مليار مجرة، ولو افترضنا أن الكون غير المنظور يُساوي 100 ضعف حجم الكون المنظور، لوجدنا أن عدد المجرات سيصل إلى 200 ألف مليار مجرة. وهو عدد يفوق بكثير عدد البشر على الأرض.

ولكن ماذا لو قارنا أعداد المجرات بأعداد البشر منذ أن خلق الله تعالى الأرض وما عليها؟ يقع معهد Population Reference Bureau (PRB)  في واشنطن، وهو متخصص في دراسة نمو الأعداد السكانية. وقد حاول هذا المعهد الإجابة عن سؤال مهم: كم عدد البشر الذين عاشوا على وجه الأرض منذ بداية وجود الإنسان؟ ونشر خلاصة تقديراته على موقع  PRB.org، مبينًا أن العدد التقريبي يبلغ نحو 120 مليار إنسان.

لو افترضنا – على سبيل التقريب – أن عدد الداخلين إلى الجنة يبلغ 1000 مليار، وأن حجم الجنة يساوي هذا الكون، لكان لكل إنسان فيها ما يُقارب مئات المجرات.

وهذا يتفق مع ما جاء في الحديث الشريف عن آخر من يدخل الجنة: “فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها”.
فإذا كان هذا حال آخر من يدخل الجنة، فكيف بأوائلهم؟

ثم يأتي الخطاب القرآني ليضع أمامنا الصورة الأعظم:

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)﴾-آل عمران

فهذا الكون كله لا يشكل إلا عرض الجنة، أما طولها فأمره إلى الله، وهو أعظم مما يبلغه الخيال.
نحن إذن أمام جنة فسيحة لا يعلم مداها إلا الله.

﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وإذا كانت أكثر أرجاء هذا الكون غير مهيأة للحياة، فإن الجنة على النقيض من ذلك: دارُ نعيمٍ كاملةُ التهيئة لأهلها.

فالجنة خضراء تجري من تحتها الأنهار، وقد هُيِّئ كل مكان فيها ليكون متعة ولذة لصاحبه.

في مجرة درب التبانة وحدها يوجد ما لا يقل عن 100 مليار نجم، ولكل نجم عدة كواكب … فتخيّل أن هذا العالم كله – من أوله إلى آخره – لك، وقد أُعدّ كل زاوية فيه بغاية الحسن والبهاء من أجل إمتاعك.

إنها جنة لا يُمل حسنها، ونعيم يتقلب فيه المؤمن كيف يشاء.

﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾

نحن نسخّر أعمارنا في الدنيا من أجل بيت صغير، فكيف لو كان لك – إن نجحت في آخرتك – ما هو أعظم من مدن وقارات، بل ما يفوق ذلك بكثير؟
إن الأمر أعظم من كل تصور؛ فالآية تتحدث عن سماوات بما فيها من عوالم لا تُحصى مخصصة لك.

﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ إن إدراك هذه الحقيقة يوجب علينا أن نتعامل معها بجدية، وأن نعرضها بلغة يفهمها أهل هذا العصر.
نحن لا نحاول أن نحسب الجنة حسابًا دقيقًا، بل نحاول أن نستوعب معنى قول الله تعالى ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، وحينما نقترب من حقيقة معنى هذه الآية، نجد أنفسنا أمام تقريب يعجز معه العقل عن الإحاطة، ويصيب من يتأمله دهشة عظيمة، وهي دهشة تدعو الإنسان العاقل إلى وقفة صادقة مع نفسه؛ لأن الخيار ليس هينًا …

وبالعودة إلى ما سبق، نقول: قد تُبنى بعض التقديرات لأعداد البشر الذين عاشوا على الأرض على دراسات حديثة تركز على العصور المتأخرة من تاريخ البشرية، والمقصود هنا ليس بناء حساب دقيق، بل تقريب الصورة، ولذلك افترضنا – تجاوزًا – أن أعدادًا هائلة من البشر سيدخلون الجنة، بل حتى لو افترضنا أن جميع البشر داخلون فيها، فإن النتيجة تبقى مدهشة؛ إذ يظهر من هذا التقريب أن نصيب الإنسان الواحد قد يبلغ ما يشبه مئات المجرات، ومع ذلك، فالحقيقة أعظم من هذا بكثير، إذ لم نأخذ في الاعتبار ما ثبت في الحديث من أن من كل ألف واحدًا يدخل الجنة.