كانت حضارات المايا والأزتيك في أمريكا الوسطى وثنية تعبد الأصنام، وكانت لهم معابد على شكل أهرامات، وكان مما أمر به كهنة هذه المعابد شعوبهم تقديم قرابين بشرية إرضاءً للأصنام والأرواح (وهو الاسم الذي كانت تُطلقه بعض الحضارات الوثنية على الشياطين). وكانت السنة عندهم 18 شهراً، وفي كل شهر كان لا بد من ذبح نوع وعدد معين من البشر (طفل أو امرأة أو رجل) وبأسلوب محدد (تجويع، إغراق، انتزاع القلب).
في بدايات القرن الماضي، تبنّت بعض الأحزاب الإلحاد وحاربت الأديان، وروّجت لفكرة ضرورة تدمير الطبقات الرأسمالية الجشعة وإقامة أنظمة شيوعية واشتراكية، وحينما تمكنت هذه الأحزاب من الحكم أقامت أنظمة بوليسية تعتمد على التجسس والتلصص والاعتقال على الشبهة والاستهتار بأرواح البشر والزج بالناس في السجون وتعطيل القضاء المستقل وتجريم انتقاد قادة المجتمع.
كانت كنائس أوروبا في القرون الوسطى تتحكم في ملايين البشر، فحرّمت على كثير منهم القراءة والتعلم، وجعلت الطريق إلى الله لا بد أن يمر من الكنيسة، وأصبحت تتاجر بمغفرة الله ببيع صكوك الغفران، وفي النهاية أقامت محاكم تفتيش وحشية مع من كانت تشك في “إيمانه”.
يقول الله تعالى عن أوضاع المجتمعات الإنسانية حينما تؤمن أو تكفر بالله:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)﴾-البقرة
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ حينما تؤمن المجتمعات بالله وتطبق شرائعه فهذا يُخرجها من أوضاع متخبطة إلى ما فيه خيرها وازدهارها. جاء الإسلام إلى مجتمع جاهلي كان من الممكن أن يموت فيه الرجل أو تموت فيه العائلة جوعا دون أن يهتم بأمرها أحد، فجاء الإسلام ليضع نظاما شاملا للتكافل الاجتماعي فأخرج الناس من ظلمة الأثرة والشح إلى نور التراحم والتواصل والتكافل. كانت القبائل العربية تقتل بعضها بعضا طمعا وتستولي على متاع بعضها وكان المهزوم يُقهر في بناته ونسائه، فجاء الإسلام ليعلن أن دم المسلم وعرضه وماله حرام فخرج الناس من ظلمات القهر والحقد إلى نور الأمن والتراحم.
على الجانب الآخر ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ لا توجد أمة تكفر بالله تعالى وتؤله غيره من أوثان أو أشخاص أو مبادئ إلا ويظهر فيها من يُشرّع للناس باسم هذه الآلهة أو المبادئ. هذا الترتيب يؤدي غالبا إلى خلل بنيوي في حياة الأمم لأن هؤلاء المشرعين في النهاية بشر لهم نزواتهم وشهواتهم ولذلك فإنهم يُشرعون بما يحقق مصالحهم وأهواءهم … تؤدي هذه الترتيبات إلى هندسة كامل الحياة البشرية في المجتمع لتحقيق مصالح أو فِكر مجموعة معينة ومن هنا يظهر ﴿الطَّاغُوتُ﴾ الذي يفيض ظُلمه حتى يطغى على فئات كثيرة. والظلم حالة من عدم التوازن تُسبب أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وفكرية تختصرها الآية بكلمة ﴿الظُّلُمَاتِ﴾.
إن ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ هي الحالة التي تُصيب كل من يتحرك بطريق لا يرى تفاصيله، والأمم أو الشعوب التي تتبنى عقيدة وشريعة وضعها أناس عن استبداد أو جهل، فإنها تتخبط بأزمات لا تتوقعها وتكون أشبه برجل يمشي في ظلام يتعثر تارة بعائق وتارة بحفرة دون أن يدري إلى أين يسير.
كهنة الأزتيك أخرجوا أمتهم من حياة بسيطة تقوم على الزراعة والصيد والرعي إلى ظلمات الحقد والوحشية ظنا منهم أن هذا يستجلب الأمطار والخيرات ويمنع القحط والفيضان. الأحزاب الشيوعية أخرجت شعوبها من نور الفطرة التي تقتضي التملك والإبداع في العمل إلى ظلمات النظام الاقتصادي المركزي الرتيب الذي أصاب المجتمع بالنقص والعوز، كما أخرجت هذه الأحزاب مجتمعاتها من حياة الأمان إلى ظلمات الخوف والرعب من التعذيب الذي كانت تمارسه أجهزة أمنية إجرامية تأخذ الناس بأقل الظنون.
الباباوات والقساوسة في كنائس أوروبا أخرجوا شعوبهم من نور حرية التفكير إلى ظلمات الوصاية الفكرية، ومن نور التسامح مع فكر الآخرين إلى ظلمات الرعب من محاكم التفتيش. هذه مجرد أمثلة واقعية بسيطة في عددها لكنها كانت طاغية في أثرها على من عاصرها، وهي صورة لواقع يتكرر دائما وأبدا بأشكال مختلفة كلما كفر الناس بالله ربا.