هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ

الـ Manual في ثقافة المهندس هو كتاب أو كتيّب يشرح كيفية التعامل مع جهازٍ ميكانيكي أو كهربائي معيّن، وغالبًا ما تُصدره الجهةُ الصانعة له؛ لأنها الأعلم بكل دقائق وتفاصيل صنعه، وهي الأقدر على وصف طريقة عمله بما يحقق أعلى قدرٍ ممكن من الكفاءة والديمومة. ولله المثل الأعلى، فهو الذي خلق الإنسان، وهو أعلم بأدقّ تفاصيله، بل يعلم عن كل واحدٍ منا ما لا يعلمه مجموعُ العلمِ بمختلفِ تخصصاته عن الإنسان؛ ولذا أنزل الله كتابه القرآن الكريم ليُرشد الناس إلى ما هو الأصلح في حياتهم.

ومن هنا فإن منطق العقل يقتضي أن يكون هذا الكتاب هو المرجع الأعلى الذي يُهتدى به، وأن يعرض عليه الإنسان سائر تصوراته ومناهجه. وفي هذا المعنى يقول الله تعالى:

﴿الم (1) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون(5)﴾-البقرة

ومعنى الفعل “هدى” في اللغة: أرشد ودلّ.

هذا الكتاب هدى لك؛ لأنه يوصل من يؤمن به إلى أقصى درجات الاستقرار العقلي والنفسي والاجتماعي والفكري.

وهذا الكتاب هدى؛ لأنه يرشدك إلى التصور الصحيح لنشأة هذا الكون، فلا تتخبط بين نظرياتٍ فلسفية أو إلحادية لم يحصد من آمن بها إلا الحيرة والضلال.

وهذا الكتاب هدى؛ لأنه يعرّفك من أنت، ومن أين أتيت، ولماذا جئت إلى هذه الدنيا، فلا تتيه بين دياناتٍ محرّفة أو أساطير وخرافات.

وهذا الكتاب هدى لك؛ لأنه يعرّفك بربك، وبأسمائه وصفاته، وبحقيقة الحياة التي تبدأ بعد موتك.

وهذا الكتاب هدى وخير للمسلم الذي يأخذ به؛ لأنه يعلّمه كيفية التعامل، والطهارة، والنظافة، والقراءة، والتجارة، والأعمال، والقروض، والنكاح، والإرث، والرياضة، والمشي، والطعام والشراب، وما يتصل بتنظيم حياته؛ فيمسّ — بشكلٍ شمولي — دقائقَ جوانب حياة من يأخذ به، ثم تمتد هذه الهداية إلى داخل نفوسنا لتوجّه أحاسيسنا ومشاعرنا.

وهذا الكتاب هدى للمجتمعات البشرية؛ لأنه يقرر أن الله هو مالك السماوات والأرض، وهو ربنا وإلهنا والمشرّع لنا، وأن تبنّي أي مجتمع لهذا التصور يسلب كل فئة أو مجموعة أو فرد — تحت أي مسمّى — حق ممارسة الطغيان والاستكبار.

وهذا الكتاب هدى؛ لأنه قدّم للمجتمعات البشرية مناهج حياة تحقق صلاحها دون الحاجة إلى تجريب نظريات على أجيال ثم يتبيّن فسادها، ودون الحاجة إلى تطبيق أنظمة لإدارة الحياة الإنسانية وُضعت لتحقيق مصالح فئاتٍ معينة.

كل هذا الهدى إنما يناله فئة محددة من البشر، وهم المتقون، والمتقون هم طائفةٌ خاصة من المؤمنين بالله؛ يؤمنون به، ويستشعرون وجوده في كل لحظة من لحظات حياتهم، فيلتزمون بأوامره ونواهيه، ويستحيون منه، ويرجون رضاه. وقد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)﴾، وهؤلاء هم الذين يحققون أعظم نجاحٍ من غاية وجودهم: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

اللهم اجعلنا من المفلحين.