المؤمن يعيش في هذه الدنيا وهو يستشعر فضل ربه؛ بل يمتلئ قلبه امتنانًا له في كل لحظة. إنه يتذكر أنه كان عدمًا فأوجده الله، وكان ضعيفًا فقوّاه، وكان لا يملك شيئًا ففتح له أبواب رزقه.
إن كل لقمة طعام يضعها في فمه تذكّره بفضل الله، وكل نعمةٍ في سمعه وبصره وقوته تشهد بعظيم إحسان ربه إليه. وإذا نظر إلى زوجته وأولاده، ازداد يقينًا أن هذا كله عطاء من الله، لا بحوله ولا بقوته، وإنما بتوفيق الله وتقديره.
المؤمن يرى نفسه يعيش في ملك الله، وتحت رعايته، وبين نعمه التي لا تُحصى، فيتعلّق قلبه بربه، ويزداد حبًا له يومًا بعد يوم … ومن هنا يتشكل في قلبه ميزان المحبة؛ فيكون حبّه لله هو الأصل، وتأتي سائر المحبات تابعة له، لا مزاحمة له. ولهذا يقول الله تعالى:
﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)﴾- البقرة
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ يبيّن القرآن هنا حال من يختل عندهم هذا الميزان، والمقصود بالندّ هنا كل ما يُجعل لله نظيرًا في المحبة التي تقتضي التعظيم والطاعة والتقديم. فليست المشكلة في أصل المحبة الفطرية للأهل أو المال، وإنما في أن تُرفع هذه المحبة إلى درجة تُساوي محبة الله، أو تُقدَّم عليها عند التعارض.
ولهذا جاء الوصف الدقيق للمؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾
أي أن محبتهم لله أرسخ وأقوى، وهي المحبة الحاكمة على غيرها؛ فإذا تعارضت مع غيرها قُدِّمت، وبها يُضبط سلوك الإنسان واختياراته.
وبهذا المعنى، فإن شدة المحبة لله ليست مجرد شعور وجداني، بل هي معيار عملي يظهر في تقديم أمر الله على ما سواه.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾
إن من أبرز صفات المؤمنين أن يكون حبُّ الله هو الأعلى في قلوبهم، فلا يزاحمه شيء؛ والمؤمن الحق ليس من يقول ذلك بلسانه، بل من يُثبته بعمله: فإذا تعارضت مصلحته مع أمر الله، قدَّم أمر الله، وإذا نازعته شهوته إلى ما لا يُرضي الله، غلب حبَّه لربه على هواه.
وهو يحب الله أكثر من ماله وتجارته، وأكثر من منصبه ومكانته، وأكثر من وطنه وقبيلته، بل يحبّه سبحانه أكثر مما يحب نفسه التي بين جنبيه؛ ولذلك لا يجعل لأيّ شيءٍ أن يزاحم هذا الحب أو يتقدّم عليه.
فإذا تزاحمت المحابّ في القلب، لم يتقدّم إلا حبُّ الله… ومن هنا يُعرف صدق الإيمان.