اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ

استطاع الفاتيكان أن يوطد سلطته في أوروبا عن طريق مجموعة من التأويلات للكتاب المقدس. في عام 1075 وطد البابا جريجوري السابع مبدأ “السمو البابوي” بمجموعة من التأويلات مثل “إن الكنيسة لم تخطئ أبدا في عمرها الماضي ولن تخطئ أبدا في عمرها الآتي” و”للبابا وحده حق تعيين الأباطرة وعزلهم”، ثم ظهرت فكرة هِبَة قسطنطين Donation of Constantine والتي تعني أن قسطنطين قد كافأ البابا بأن تنازل له عن حكم النصف الغربي من أوروبا لأنه شافاه، ثم كانت فكرة التخصيص Particularization والتي تعني أن هناك أشياء تخص البابا وأشياء تخص الإمبراطور، ثم كانت فكرة سمو الكرسي الروماني Highness of Roman Chair والتي تزعم أن البابا حصراً هو خليفة المسيح، ثم جاءت فكرة الشمس والقمر Sun and Moon والتي فحواها أن القمر (الإمبراطورية) هو جرم يستمد نوره من الشمس المضيئة (البابوية). كل هذه التصورات والتأويلات كانت جزءاً من أدوات عززت نفوذ الفاتيكان في المجتمعات الأوروبية في مواجهة نفوذ الأباطرة والملوك والأمراء الذين كانوا يخضعون لها أحياناً ويتمردون عليها أحياناً أخرى.

فرضت الكنيسة قانون العُشر الذي يُجبر الناس على دفع عُشر دخلهم السنوي، وهكذا تراكمت الأموال في الفاتيكان، حتى أصبح من أكبر ملاك الأراضي في أوروبا، وتكونت طبقة ثرية من رجال الدين تعيش في مستوى عالٍ من الرفاهية. وانتشرت المتاجرة بالدين وبيع الوظائف الكنسية، وفي الفترة من 1268 إلى 1519 بلغت البابوية درجة كبيرة من النفوذ السياسي والاجتماعي والاقتصادي في أجزاء واسعة من أوروبا. وفي أتون هذا النظام كانت طبقة الفلاحين—التي تمثل أغلب المجتمع—تعيش حياة شاقة، تعمل وتكد لتأمين موارد للأمراء ورجال الدين، إضافة إلى تأمين لقمة العيش لأنفسهم وأسرهم.

وبعد قرون طويلة من هيمنة هذا النمط من العلاقة بين السلطة الدينية والسياسية والاجتماعية، ثار الناس ثورات عديدة بعد أن ساءت أحوالهم، واستطاعوا إزاحة هذا النظام بصورته السابقة. والسؤال المهم الآن: أين كل النظريات التي طُرحت يومًا ما؟ كم من الأشخاص ما يزال يؤمن بنظرية السمو البابوي أو التخصيص أو الشمس والقمر؟ لقد انصرف الناس عنها بعد أن رأوا نتائجها، ولم تعد تُطرح بوصفها نموذجًا يُراد الرجوع إليه.

آمن الناس في ألمانيا يوماً بالنازية كمنهاج حياة يرفع من شأنهم، واندفعوا خلف شعارٍ جعل من أمةٍ معياراً للتفوق على غيرها، ثم انتهى ذلك كله، ولم يعد هذا الشعار يُطرح طريقاً للحياة. وآمنت مليشيات الخمير الحمر في كمبوديا بأن “الفلاح وحده هو الإنسان النبيل”، فساقوا الناس إلى الغابات، ففرغت المدن، ومات عدد كبير من السكان، ثم انتهت تلك التجربة ولم يبق لها حضور يُطلب إحياؤه. ورفع الناس في إيطاليا شعار الفاشية، وفي اليابان رُفع شعار “الإمبراطور الإله”، ثم تراجعت هذه التصورات، ولم تعد تمثل خياراً يعود إليه الناس.

والسؤال الذي يفرض نفسه: كم من إنسان اليوم في تلك البلاد ما يزال يرى في “النازية” أو “الفلاح النبيل” أو “الفاشية” أو “الإمبراطور الإله” طريقاً يُبنى عليه المجتمع؟

هذه الشعارات السياسية والفكرية ليست إلا كلمات، لكنها كلمات تختزل تصورات كاملة للحياة، حتى إذا ترسخت في النفوس وجدت طريقها إلى الواقع، تصوغ به المجتمعات مسارها، ثم لا تلبث أن تنكشف نتائجها.

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ(26) ﴾ – إبراهيم

كل شعار ترفعه أمة إنما يُعبّر عن منهاج حياتها وأسلوب تفكيرها، ولذلك سماه الله تعالى “كلمة”، لكثرة ترديده، ولاختزاله في عبارة قصيرة تحمل في طياتها تصوراً كاملاً.

والشجرة الخبيثة هي التي تضر الناس، فيسعون إلى اقتلاعها من جذورها ليتخلصوا منها، وقرب جذورها من سطح الأرض وعدم امتدادها عميقاً في التربة دليل على هشاشتها، وكذلك شأن الكلمة الخبيثة؛ فهي التي لا تقوم على أساس متين من العدل أو الفهم الصحيح للإنسان، وإنما تُبنى على مصالح ضيقة أو أهواء أو جهل بالعواقب.

وقد بيّنت معاجم اللغة أن الخبث يجمع بين الفساد والخداع وسوء الأثر؛ فالخبيث ما كان مكروهاً رديئاً، أو ما انطوى على مكرٍ وحيلة. ومن هنا، فإن الكلمة الخبيثة هي التي تُقدَّم للناس على أنها طريق سعادتهم، ثم يتبين لهم أنها سبب شقائهم. وهل هناك أعظم من أن يُزيَّن للإنسان ما فيه ضرره وهو يظنه نفعاً؟

التاريخ يُظهر أن كثيراً من هذه الكلمات التي صاغها البشر وجعلوها منهاجاً لحياتهم قد علا لواؤها وملأ صداها الآفاق، ومع الزمن، وبعد أن رأى الناس نتائجها، لم تلبث أن تنقطع عن واقع الناس وتتراجع وكأنها قد اجتُثّت من حياتهم.

﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ تُقتلع الكلمات أحياناً بثورة الناس عليها حين تُفرض عليهم مع اشتداد ضررها، وتُقتلع كذلك بتحول الناس عنها وعدم مطالبتهم بها لمجرد أن تأتي ظروف تصرفهم عنها.